بث تجريبي

رئيس مجلس الإدارة د. محمد الباز

رئيس التحرير أحمد الطاهري

رئيس مجلس الإدارة د. محمد الباز
رئيس التحرير أحمد الطاهري

"يوم الحسم" في القارة العجوز

انتخابات مصيرية.. ومستقبل الاتحاد الأوروبي في الميزان

طباعة

الأحد , 26 مايو 2019 - 11:43 مساءٍ

تقف أوروبا، اليوم الأحد، على أعتاب انتخابات مصيرية، حيث يتوجه مواطنو 21 دولة من دول الاتحاد الأوروبى إلى مراكز الاقتراع للإدلاء بأصواتهم وانتخاب ممثليهم فى البرلمان الأوروبى، للفترة من 2019 إلى 2024، وذلك بعد انتهاء 7 دول من التصويت على مدار الأيام الثلاثة الماضية.

وتشير التوقعات أن تكون هذه الانتخابات بمثابة هزة قوية يتعرض الاحزاب التقليدية  في اتحاد القارة العجوز والمؤيدة لبقاء الاتحاد الأوروبي وتدعم التيار القومي بما قد يكبح العمل المشترك في السياسات الاقتصادية والخارجية.

وفتحت مراكز التصويت أبوابها لليوم الأخير في 21 دول في شرق أوروبا، وقد بدأت منذ يوم 23 من الشهر الجاري في سبع دول أخرى، لانتخاب 751 نائبا خلال عملية الاقتراع من مختلف دول القارة الأوروبية، حيث يتم توزيع المقاعد وفقا لعدد السكان.

وتمثل انتخابات الأتحاد الأوروبي أكبر ممارسة للديمقراطية على مستوى العالم بعد الهند.

ويتصدر استطلاعات الرأي أصحاب التيار الشعبوي اليميني في اثنتين من الدول الأربع الكبرى الأعضاء في الاتحاد، وهما إيطاليا وبريطانيا التي يفترض أن تنفصل عن الاتحاد، كذلك فرنسا وألمانيا.

وأشارت توقعات أولية أعلنت عنها قناة "بي إف إم تي في" الفرنسية إلى تقدم حزب "التجمع الوطني" الفرنسي اليميني المتطرف بقيادة مارين لوبان في انتخابات البرلمان الأوروبي، حيث حصل على 2ر24 % من الأصوات، متقدما على التكتل الذي يتزعمه حزب" الجمهورية إلى الأمام" المنتمي لتيار الوسط بقيادة الرئيس إيمانويل ماكرون الذي حصل على 4ر22 %، في نتائج ستشكل إذا تأكدت خيبة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المؤيد للوحدة الأوروبية.

وقد أعلن البرلمان الأوروبي، الأحد، أن نسبة المشاركة في الانتخابات هي "الأكبر في عشرين عاما" وتقدر ب51% بالنسبة الى الدول ال27 الأعضاء في الاتحاد من دون المملكة المتحدة.

وتوقع متحدث باسم برلمان أوروبا جوم داش أن نسبة المشاركة في بريطانيا قد تتراوح بين 49 و52%.

وتمثل نسبة المشاركة في الانتخابات الحالية أول ارتفاع منذ تطبيق نظام الانتخاب بالاقتراع المباشر في 1979.

ويبلغ عدد الأوروبيين الذين يحق لهم الإدلاء بأصواتهم في انتخابات البرلمان الأوروبي أكثر من 400 مليون شخص.

كانت نسبة المشاركة وصلت في انتخابات أوروبا 2014 إلى 6ر42%.

 

هيكل الاتحاد

تحظى ألمانيا بأكبر عدد من مقاعد البرلمان الأوروبي بـ 96 عضوا، تليها فرنسا ويمثلها 74 عضوا ثم إيطاليا وبريطانيا ولكل منهما 73 عضوا وإسبانيا 54 عضوا، أما أقل الدول الأوروبية من حيث عدد الأعضاء فهى قبرص ومالطا ولوكسمبورج ولكل دولة منها 6 أعضاء فقط.

ويولي المراقبون أهمية ملحوظة لهذه الانتخابات التشريعية الأوروبية، حيث يرون أنها ستسهم بدرجة كبيرة في رسم ملامح السياسات الأوروبية خلال الخمس سنوات القادمة. فالبرلمان الأوروبي مؤسسة منتخبة بطريقة مباشرة ويمثل نحو 500 مليون مواطن أوروبي، ويشكل مع مجلس الاتحاد الأوروبي أعلى هيئة تشريعية في هيكل التكتل.

ويتبنى البرلمان مع المجلس الأوروبي، تقريباً جميع القوانين الأوروبية، وكذلك الميزانية السنوية التي تموّل سياسات الاتحاد. كما يجب عليه منح موافقته على أي اتفاق تجاري، ومراقبة المفاوضات التي تجريها المفوضية الأوروبية. كما يقوم البرلمان بالإشراف على أعمال مجلس الاتحاد الأوروبي، ويصدّق على ترشيح المفوّضين ويمتلك حقّ سحب الثقة من مجلس الاتحاد.

وتوسعت صلاحيات البرلمان الأوروبي منذ معاهدة بروكسل في 22 يوليو 1975، كما مُنح مزيداً من الصلاحيات التشريعية في المجال القانوني والقضائي منذ اتفاقية ماستريخت عام 1991،

وترسخ دور البرلمان الأوروبي كسلطة تشريعية عليا بموجب اتفاقية أمستردام عام 1997، والتي شملت من بين بنودها الأساسية قضايا حقوق الإنسان والتعاون الأوروبي حول الحدود والتأشيرات واللجوء والهجرة والحقوق المدنية، والتعاون العابر للحدود الوطنية في مجالات البيئة والعمل. ثمّ جاء بعد ذلك التعاون الأمني والعدلي والزراعي، وغيرها من القضايا التي أصبح للبرلمان الأوروبي دور حاسم فيها.

كما يلعب البرلمان الأوروبي دورا بارزا في اختيار المرشحين للمناصب القيادية في مؤسسات الاتحاد الأوروبي، حيث تختار الأحزاب الأوروبیة المرشحین الرئیسیین لتولي منصب رئیس المفوضیة الأوروبية، الذي يشغله حالياً جان كلود يونكر، ومن المقرر أن يصوت البرلمان على المرشح الجديد لهذا المنصب في يوليو المقبل وفقا للخيارات التي ستتمخض عن نتائج الاقتراع الحالي. ولا يمكن لأي شخص أن يصبح رئيساً للمفوضية الأوروبية دون الحصول على دعم 376 نائباً على الأقل من أصل 751 نائباً أوروبياً.

 

“تقسيم أوروبا”

ووفق معظم استطلاعات الرأي فانه يوجد احتمالية كبيرة لزيادة حصة الأحزاب الشعبوية والقومية في البرلمان الأوروبي، انطلاقا من تصاعد شعبيتها مؤخرا في الانتخابات الوطنية للدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي.

من جهة أخرى يرى خبراء أنه من المتوقع ان يحصل الاحزاب المشككة في أوروبا على نسبة مقاعد تصل الى 20% فقط، دون حصولها على الغالبية البرلمانية، الا أن حزب الرابطة الإيطالي، بزعامة وزير الداخلية ماتيو سالفيني، وحزب التجمع الوطني الفرنسي، بزعامة مارين لوبن،  يرجح حصولهم على أعداد كبيرة من المقاعد داخل البرلمان الأوروبي الجديد.

ورغم تزايد التوقعات بصعود التيارات الشعبوية، أظهرت النتائج الأولية لتصويت الخميس الماضي في هولندا، تقدم حزب العمال على الأحزاب الليبرالية والشعبوية، والتي كان من المتوقع إحرازها نتائج متقدمة. وفي أيرلندا، أشارت استطلاعات الرأي أيضاً - مساء الجمعة - إلى تقدم حزب رئيس الوزراء، ليو فارادكار، المؤيد لأوروبا.

 

أزمات "شعبوية" القارة العجوز

يتفق المراقبون على أن انتخابات البرلمان الأوروبي هذه الدورة تكتسب أهمية ملحوظة عن غيرها من سابقاتها، حيث شهدت الساحة الأوروبية على مدار الخمس سنوات الماضية متغيرات ومستجدات ساهمت في تغير رؤى وتوجهات المواطن الأوروبي، ويمكن القول أن الأزمة الأوربية إندلعت على مدار سنوات ماضية تحديدًا منذ عام 2015، ومنذ ذلك الحين تغيرت النظرة الأوروبية الى قوة الإتحاد ورغبة الأحزاب الشعبوية في الانفصال تتزايد.

ويمكن تقسيم الأزمات التى ساعدت في فرض قوة التغير داخل دول القارة العجوز الى:

1-  أزمة الهجرة التي اندلعت عام 2015، حيث لجأ مئات الآلاف من اللاجئين والمهاجرين إلى الدول الأوروبية، مما شكل تحدياً كبيراً للقارة العجوز، ولدور مؤسساتها في تحمل الأعباء، وأبرز غياب سياسات أوروبية مشتركة قادرة على التصدي لهذه القضية.

ونجحت الأحزاب الشعبوية في استخدام قضية الهجرة لتعزيز شعبيتها على الساحة الأوروبية، حيث اتخذت من هذه القضايا فرصة لتشديد سياساتهم الوطنية، وشن هجوم على مؤسسات الاتحاد الأوروبي التي عجزت عن مواجهة هذه التحديات ووضع خطة عمل للتعامل معها، وتسببت بدورها في زيادة معاناة المواطن الأوروبي.

2- استفتاء بريطانيا  عام 2016، المؤيد للخروج من الاتحاد الأوروبي (البريكست) حيث عزز من اتجاهات المشككين في جدوى الوحدة الأوروبية نفسها وساهم في تصاعد التيارات المتطرفة التي ترى الاتحاد "مؤسسة بيروقراطية" تثقل كاهل الدولة الوطنية وتفقدها حريتها، ووصف كثيرون البريكست بأنه "التغير الأخطر في تاريخ الاتحاد الأوروبي والحدث الأكثر حسما"، والذي سيلقي بظلاله على انتخابات البرلمان الأوروبي الحالية.

3- لا يمكن إغفال نجاح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة الأمريكية عام 2016، وهو يعتبر رمز للقوة اليمينية المتطرفة، وله العديد من المواقف في تعزيز الخطاب القومي المتشدد داخل القارة الأوروبية، حيث إنه نجح في استغلال المواقف الأوروبية المتباينة حول عدد من القضايا، مثل الهجرة واللجوء، لتعميق الانقسامات داخل الصف الأوروبي.

وفي ضوء المشهد السابق، يبدو واضحا أن البرلمان الأوروبي القادم سيكون برلمانا مختلفا يعمل في مناخ أوروبي غير مسبوق وسيواجه تحديات جادة تهدد بقاء الاتحاد وقوة حضوره على الساحة الدولية وتحدد ملامح استمرار هذا الكيان الأوروبي خلال السنوات المقبلة.

 

من هنا جاءت أهمية نتائج الاستحقاق الانتخابي الحالي، حيث إنه سيحدد موازين القوى داخل البرلمان ويعكس شكل التكتلات التي ستهيمن عليه خلال السنوات المقبلة. ورغم تزايد التوقعات بتصاعد الأحزاب الشعبوية إلا أن التقديرات تشير إلى استمرار هيمنة تيار الوسط المعتدل على البرلمان مع فقده لعدد من المقاعد لصالح التيار الشعبوي.​