بث تجريبي

رئيس مجلس الإدارة د. محمد الباز

رئيس التحرير أحمد الطاهري

رئيس مجلس الإدارة د. محمد الباز
رئيس التحرير أحمد الطاهري

قبل أيام من الانتخابات

هل ينجح "شبح ترامب" في فرض سيطرته على البرلمان الأوربي

طباعة

الثلاثاء , 21 مايو 2019 - 09:28 مساءٍ

في خلال أيام من المنتظر إجراء انتخابات البرلمان الأوروبي المقرر إجرائها في الفترة بين 23 وحتي 26 مايوم الجاري.

وتشهد هذه الانتخابات صراع قوي بين قوتين الشعبوية والقومية في فرض سيطرتها على الاتحاد الذي واجهه العديد من المشكلات خلال الأعوام الماضية، فمن أزمة انفصال بريطانيا "البريكست" الى ملف الهجرة وقضية المناخ وغيرها من القضايا الشائكة التى حاول تيار اليمن المتطرف ان يستغلها لفرض سيطرته على دول الاتحاد البالغ عددها 28 دولة، ثم على مقاعد البرلمان الأوربي.

ومن المنتظر أن يتم انتخاب 751 عضوًا في البرلمان الأوروبي، الذي يُعد الهيئة التشريعية الوحيدة العابرة للدول في العالم، ويبلغ عدد من يستحق المشاركة في التصويت 512 مليون شخص من 28 دولة من أعضاء الاتحاد.

وسبق أن صوت  البرلمان الأوروبي  في 2018 على خفض عدد أعضاء البرلمان الأوروبي من 751 إلى 705 في حال خروج  المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي.  ولكن بعد تمديد عملية المادة 50  الخاصة بـ"البريكست"، من المقرر أن تشارك المملكة المتحدة الآن إلى جانب الدول الأخرى الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ووفقًا للمجلس الأوروبي ، وافق المجلس على مستوى السفراء على تحسين القانون الانتخابي للاتحاد الأوروبي وإصلاح القوانين القديمة من قانون الانتخابات لعام 1976.

 

ويخشى الكثيرون من أن البرلمان الأوروبي، الذي يسيطر عليه تحالف واسع من يسار الوسط ويمين الوسط خلال معظم فترات تاريخه الذي استمر على مدار أربعين عاما، أن ينجح التيار اليمني المتطرف، الذي يرجح بفكرة انفصال الاتحاد، أن يدخل الى مقر اتحاد القارة العجوز وبالتالي فان موجه واسعة من المبادئ الشعبوية ستكون هى المحرك لأوروبا وستكون صاحبة اليد العليا للمفوضية الأوربية،  وهي الذراع التنفيذية للاتحاد الأوروبي.

وسوف يكون البرلمان الجديد أداة محورية في تعيين الأعضاء المقبلين في المفوضية الأوروبية قبل أن يضطلع بدوره المعتاد في دراسة المبادرات الجديدة والتصويت على القضايا المهمة مثل موازنة الكتلة الأوروبية.

 

أهمية انتخابات أوروبا

انتخابات البرلمان الأوربي هذا العام ينظر لها أنها بمثابة  تصويت لصالح أو ضد المشروع الأوروبي، حيث يمكن أن تتراجع الوظيفة المهمة للبرلمان الأوروبي بصفته هيئة الرقابة والتشريع إلى لعب دور ثانوي.

ومنذ 1979 تزداد باستمرار صلاحيات هذه المؤسسة العليا في الاتحاد الأوروبي. اليوم ترسخ البرلمان الأوروبي على أنه مشارك أساسي في سن القوانين، وهو يتمتع بصلاحيات في الميزانية ويلعب دور الرقابة الديمقراطية في مواجهة مختلف مؤسسات الاتحاد الأوروبي.

وقد أوضح رئيس كتلة المسيحيين الديمقراطيين في البرلمان الأوروبي، مانفريد فيبر أن انتخابات عام 2019 ستكون "مصيرية"، فبالنسبة إلى المسيحي الديمقراطي، الذي يتطلع إلى شغل منصب رئيس المفوضية الأوروبية، يدور الأمر في نهاية مايو حول معركة ثنائية بين المؤيدين لأوروبا والقوميين.

ولم يسبق أن وُجد هذا العدد الكبير داخل دول الاتحاد الأوروبي من الشعبويين اليمينيين والمتشككين في أوروبا في خضم أنتخابات مثل حالهم في الانتخابات المقبلة. وقد يحصلوا حسب الاستطلاعات على 20 % من مجموع المقاعد.

وبعد اعلان بريطانيا مشاركتها في انتخابات البرلمان الأوربي، فانه  من المتوقع أن من بين النواب الـ 71 الذين قد توفدهم المملكة المتحدة سيكون عدد كبير من المتشككين في الاتحاد الأوروبي والشعبويين اليمينيين الذين سيساهمون في تقوية جناح المجموعات اليمينية داخل البرلمان.

وتشير آخر الاستطلاعات إلى أن الشعبويين اليمينيين مع البريطانيين سيجنون في البرلمان الأوروبي نحو 23 % من الأصوات. وفي حال انتقال النواب الـ 13 المتوقعين من الحزب الحاكم في المجر إلى كتلة يمينية شعبوية جديدة، فإن هذه قد تتحول بـ 25% إلى أكبر مجموعة في البرلمان وتتجاوز المسيحيين الديمقراطيين الذين احتلوا إلى حد الآن المرتبة الأولى.

ويخشى الكثيرون في واقع الأمر من أن "القومية سوف تدمر الاتحاد الأوروبي"، حسبما يرى المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، في حين تتقدم قضايا الاقتصاد والتغير المناخي وتهديدات روسيا على مشكلة الهجرة في دول معينة.

وفي الوقت ذاته، فإن بروكسل سوف تراقب عن كثب نسبة أخرى غير معدلات التأييد ألا وهي معدل إقبال الناخبين على التصويت حيث أن نسب المشاركة في انتخابات البرلمان الأوروبي عادة ما تكون ضعيفة. وأظهرت استطلاعات الراي التي أجراها المجلس الأوروبي ومؤسسة "يوجوف" أن 43 % فقط ممن شملتهم الاستطلاعات أكدوا أنهم سوف يدلون بأصواتهم في انتخابات مايو.

وتقول ناتالي براك وهي أستاذ زائر بالكلية الأوروبية: "إنها قضية مهمة حيث أنها تتعلق بشرعية البرلمان الأوروبي".

وأوضحت قائلة إن انخفاض نسبة المشاركة عن 40% سوف تبعث بـ"إشارة مهمة" مفادها أن جهود زيادة الاهتمام بالانتخابات باءت بالفشل.

وترى براك أنه "بدون المتشككين في الاتحاد الأوروبي، اعتقد أن معدل الاقبال سوف يكون أقل كثيرا في بعض الدول"، مضيفة: "إنهم يحشدون الناس ويضطرون الأحزاب الأخرى إلى التحدث بشأن أوروبا في الانتخابات بدلا من القضايا الوطنية".

وخلصت قائلة: "إنها إحدى الأفضال التي يستحق المتشككون في الاتحاد الأوروبي والشعبويون أن تنسب إليهم".

ويذكر أن عدد الشعبويين اليمينيين والمتشككين في الاتحاد الأوروبي ارتفع باستمرار خلال السنوات الماضية. فخلال انتخابات 2014 حققت المجموعات الثلاث للشعبويين اليمينيين والمتشككين في الاتحاد الأوروبي 20 % وفي انتخابات 2009 وصلت تلك النسبة إلى 11 %

 

القوة الحاكمة في الاتحاد

وخلال السنوات الماضية، نجحت القوة اليمينية المتطرفة أن تدخل برلمانات الدول الأوروبية، مما أثار حالة من القلق في بروكسل عن طريق التعهد بإعادة بناء الاتحاد الأوروبي على صورتها الخاصة.

وكان ستيف بانون المستشار الاستراتيجي السابق للرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد تنبأ بأن انتخابات البرلمان الأوروبي سوف تحدث "زلزالا" حيث ستستحوذ الأحزاب المتشككة في الاتحاد الأوروبي على دفة الأمور.

وصرح نائب رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو سالفيني، خلال فعالية أقيمت مؤخرا ودعا خلالها الأحزاب الشعبوية الأخرى لتوحيد صفوفها مع حزب الرابطة اليميني المتطرف أنه "بالنسبة للكثيرين، فإن أوروبا تمثل كابوسا وليس حلما".

وأضاف: "نحن نعمل من أجل حلم أوروبي جديد، والهدف هو أن نصبح أول وأهم وأكبر مجموعة من حيث العدد في البرلمان الاوروبي".

ومن بين الأحزاب التي انضمت إلى البرنامج الانتخابي لحزب الرابطة الإيطالي كل من حزب الحرية الحاكم في النمسا، والتجمع الوطني في فرنسا، وحزب البديل من أجل ألمانيا، وحزب الشعب الدنماركي، وحزب الفنلنديين.

وتنبأت لوبان زعيمة حزب التجمع الوطني في فرنسا في فبراير الماضي بأن البرلمان سوف "ينقلب رأسا على عقب" عن طريق صعود الأحزاب المؤيدة للسيادة الوطنية التي ترى أن الدول الأوروبية منفردة لابد أن تكون لها سلطات أكبر مقابل سلطات أقل لبروكسل.

وترتبط زيادة الشعبوية إلى حد كبير بالتدفق القياسي في اللاجئين والمهاجرين إلى أوروبا خلال عامي 2015 و2016.

وصرح رئيس الوزراء المجري أوربان، وهو مؤيد قوي للبرنامج الانتخابي المناهض للهجرة، الشهر الماضي قائلا إن انتخابات مايو سوف "تحدد مستقبل الحضارة الأوروبية".

وتنبأ أوربان بأن الانقسامات السياسية التقليدية بين اليسار واليمين سوف تفسح المجال أمام الانقسام بين مؤيدي الهجرة ومعارضيها.

وذكر المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية أنه على خلاف عناوين الصحف الرئيسية، فإن انتخابات 2019 "لن تكون بمثابة استفتاء على الهجرة".

وكشف استطلاع الرأي  الذي قام به المجلس الأوروبي أن الخطر الأكبر بالنسبة لمعظم الأوروبيين هو "التطرف الإسلامي" الذي لا يتم الخلط بينه وبين قضية الهجرة، وسوف يكون على الأرجح هو العامل المحرك للناخبين من تيار يمين الوسط أكثر من الناخبين الذين ينتمون إلى التيارات المتطرفة.

وسجل اليمين المتطرف الذي يعتبر متأصلا في أوروبا الشمالية (فنلندا والنرويج والدانمارك والسويد) تقدما مذهلا على غرار ما حصل في الانتخابات التي عقدت في أندلوسيا بإسبانيا قبل أعياد الميلاد، أو من خلال فرض حزب البديل من أجل ألمانيا نفسه داخل "البوندستاج الألماني" (البرلمان الاتحادي) منتصف 2017 مما جعله يصبح ثالث أقوى حزب في ألمانيا.

 

 

منسق حملة ترامب وراء تحالف "الأحزاب الأم"

و ترى الكاتبة سابين سيفوس أرنو في مقال نشر بمجلة "شلانج" الفرنسية، الشهر الماضي، إن القوميين والشعبويين في أوروبا بدؤوا إطلاق مناوراتهم السياسية في القارة، وذلك قبل أربعة أشهر من موعد انتخابات البرلمان الأوروبي.

وتشير الكاتبة إلى أن بعض العواصم الأوروبية أضحت فيها مثل هذه الائتلافات متداولة، خاصة في ظل مشاركتها في الائتلافات الحكومية، حيث أضحت حوالي ربع حكومات دول الاتحاد الأوروبي تسجل مشاركة اليمين المتطرف في الحكم.

وحتى الآن يتوزع اليمينيون الشعبيون داخل برلمان الاتحاد الأوروبي عبر ثلاث كتل. في الماضي، فشل التعاون بين هذه الكتل بسبب اختلافات أساسية، أو حتى بسبب صعوبة الارتباط.

وقد تم تنظيم تحالف بين الأحزاب الشعبية اليمينية التي أنشأها ستيف بانون، مستشار حملة دونالد ترامب الانتخابية، بهدف خوض الانتخابات الأوروبية. تشمل الأطراف المشاركة ليجا نورد ( رابطة الشمال الايطالية ) وحزب الشعب البلجيكي وإخوان إيطاليا ، وربما الجبهة الوطنية  الفرنسي، وقد تم تصورها في الأصل كمحاولة لتوحيد الأحزاب الشعبية اليمينية في أوروبا ، الا أنه تم تجاهل الحركة حتى الآن من قبل البديل لألمانيا ، حزب الحرية في النمسا وحزب الاستقلال البريطاني.

ويذكر أن  دعا حزب "البديل من أجل ألمانيا" إلى حضور مؤتمر صحفي في ميلانو الشهر الماضي، وكان المنظمون هم حزب "الليجا" و ماتيو سالفيني عن إيطاليا.

كان شعار "اعيدوا أوروبا عظيمة مرة أخرى" هو المطلب الرئيسي للحزب اليميني الإيطالي، كما قال "المنسق الدولي للحزب، دافيد كادري خلال كلمة الافتتاح في المؤتمر، كما استدعى المتحدثون من بلجيكا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا والمملكة المتحدة الصور النمطية لعدوهم الرئيسي "تعدد الثقافات والمهاجرون"، وأشارات هذه الحزاب خلال المؤتمر أن هدفهم الرئيسي هو" إحداث ثورة في الاتحاد الأوروبي".

 

وبحسب تقارير إعلامية، سيتم دمج ما يصل إلى 20 حزباً ومجموعة في "تحالف للشعوب والأمم الأوروبية"، أما في  وارسو لم يتم حتى الآن نفي أو تأكيد، ما اذا كان الحزب اليميني الشعبوي، حزب العدالة والقانون PiS من بولندا سينضم إلى صفوف هذا التحالف.

 

السيناريوهات والتوقعات

تشير أغلب توقعات الخبراء والمحللين أن احزاب اليمين المتطرف ستحصل على مزيد من المقاعد في البرلمان الاوربي القادم  وهذا يعني  أن الانتخابات يمكن أن تتحول إلى تصويت لصالح أو ضد المشروع الأوروبي، حيث يمكن أن تتراجع الوظيفة المهمة للبرلمان الأوروبي بصفته هيئة الرقابة والتشريع إلى لعب دور ثانوي.

ويرى الخبير الأوروبي يوزف يانينج، مدير مكتب المركز الفكر الأوروبي للعلاقات الخارجية ببرلين، أن البرلمان الأوروبي القادم يمكن أن يكون التجمع الأكثر تشاؤما في مسألة الاندماج منذ 1979،  وفي حال خسرت المجموعتان الحزبيتان الأكبر جزءا مهما من أصوات الناخبين، فإن هذا قد يعني نهاية الائتلاف غير الرسمي بين الأحزاب الكبيرة، الذي يجمع حزب الشعب الأوروبي (EVP) الذي يضم أحزاب المحافظين، وحزب الاشتراكيين الأوروبيين الذي يضم الأحزاب الديمقراطية "الاشتراكية" الشعبية (S&D) والذي سيطرت من خلاله هذه الأحزاب على المشروعات الأوروبية.

 

 وحاليا يشغل التكتلان 412 مقعدا من إجمالي 751 مقعد. وفي حال خسارتهما الأغلبية المطلقة بعد انتخابات 2019، فإنه سيكون من الضروري عقد تحالفات وتشكيل ائتلافات جديدة، ينمو من خلالها دور وأهمية الكتل البرلمانية الصغيرة، مثل الليبراليين والخضر. فخسارة السلطة بالنسبة للأحزاب الجماهيرية الكبيرة، يمكن أن يقود أيضا إلى حالات الغموض حول تركيبة وشكل قيادة المفوضية الأوروبية في المستقبل.

ويوضح يانينج، أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بدوره يتطلع إلى حركة أوروبية جديدة عابرة للحدود، على غرار حملته (المسيرة) التي تكللت بالفوز في انتخابات الرئاسة الفرنسية، حيث كان في مواجهة التجمعين الحزبيين الكبيرين EVP و S&D. كما يريد الرئيس الفرنسي أيضا أن يكون هو صاحب الصوت والقرار الأساسي في الحملة الانتخابية، التي يريد أن يقودها على أساس الصراع بين "الأوروبيين" و"القوميين". في هذا الصراع يريد ماكرون قيادة معسكر "الأوروبيين"، تماما مثلما فعل في مواجهة الجبهة الوطنية في فرنسا.