بث تجريبي

"قرارات سوداء" اتخذتها أمريكا فى حق القدس

طباعة

الخميس , 07 ديسمبر 2017 - 12:13 مساءٍ

 

 

لم يكن قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، بإعلانه عن نقل سفارة واشنطن إلى القدس المحتلة، والاعتراف بها عاصمة لإسرائيل هو الأول،  فالتاريخ الأمريكي حافل بالتعدي على الحقوق الفلسطينية وخرق كافة القوانين والمواثيق الدولية، فما أعلن عنه ترامب بالأمس لم يكن سوي تتويجاً لمسيرة محطات في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية والتي ترجع بدايتها للاحتلال الإسرائيلي لفلسطين وحتى اليوم، وشكلت فيها القدس لب الصراع العربي الفلسطيني الإسرائيلي.

 

والحقيقة أن ذاكرة التاريخ حافلة بمواقف غاشمة مماثلة اتخذتها الولايات المتحدة في حق الفلسطينيين ففي عام 1948 اعترفت الولايات المتحدة بـ "إسرائيل" عقب احتلالها فلسطين، لكنها حينها لم تعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل.

 

وظلت الولايات المتحدة على موقفها الداعم لإسرائيل غير المعترف بالقدس كعاصمة لها، حتى تاريخ 23 أكتوبر 1995، حين أصدر الكونجرس الأمريكي وقتها قانون عُرف باسم قانون سفارة القدس لسنة 1995"، والذي ينص على الشروع بتمويل عملية نقل السفارة الأمريكية من "تل أبيب" إلى القدس، على أن يتم ذلك في حدّ أقصى 31 مايو1999.

 

ولكن على الرغم من إصدار الكونجرس لهذا القانون إلا أن رؤساء الولايات المتحدة المتعاقبين (كلينتون، بوش الابن وأوباما) امتنعوا منذ ذلك الحين عن التوقيع على تنفيذ القانون، بحجة أن هذا تدخل من جهة الكونجرس في العلاقات الخارجية للإدارة، ووقع الرؤساء على تأجيل تطبيق القانون لمدة نصف عام. وفي الأول من يونيو لهذا العام انضم ترامب نفسه لمعسكرهم، وأجّل تنفيذ نقل السفارة نصف عام.

 

وفى عام 1980 امتنعت الولايات المتحدة عن التصويت على القرار رقم 478 الصادر عن مجلس الأمن الدولي بموافقة 14 دولة، وهو القرار الذي يُعدُّ الضم الإسرائيلي للقدس مخالفاً للقانون الدولي.

وعلى خلفية قرار مجلس الأمن الدولي رقم 478 ، قامت 13 دولة أغلبها من أمريكا اللاتينية، بنقل سفاراتها من القدس إلى "تل أبيب"، قبل أن تعود معظمها إلى نقلها مرة أخرى.

 

وكافأت إسرائيل الولايات المتحدة على موقفها الداعم لها  فى  19 يناير 1989، حيث وقع الرئيس الأمريكي رونالد ريجن اتفاقية أجّرت إسرائيل بموجبها لأمريكا أرضاً في القدس الغربية مساحتها 31000م2، بإيجار قدره دولار واحد سنويا لمدة 99 عامة لبناء مقراً دبلوماسياً عليها.

 

وفي 7 مارس 1997، مارست الولايات المتحدة حق النقض ضد قرار يشجب مصادرة إسرائيل لأراضي جبل أبو غنيم من أجل الاستيطان اليهودي في القدس الشرقية.

وعلى الرغم من مواقف أمريكا المتصلفة إلى أن مشروع (باراك – كلينتون) والذى   أقر في أغسطس 2000، في إحدى صيغتيه أعطي حق للسيادة الفلسطينية على الحيين الإسلامي والمسيحي داخل المدينة القديمة، وحق إقامة حكم ذاتي على بعض الأحياء العربية خارج المدينة القديمة، ضمن الحدود التي وسعتها "إسرائيل" عام 1967 على حساب الضفة الغربية.

 

لكن من ناحية أخري، أقرت هذه الصياغة أيضاً أن مطار القدس (قلنديا) يبقى تحت السيادة الإسرائيلية، وكذلك الممر المزمع إلى الحرم الشريف (من الضفة) يبقى تحت السيطرة الإسرائيلية، وسيادة إقليمية يهودية على الحرم الشريف نفسه.

 

وفى عهد ياسر عرفات رئيس السلطة الفلسطينية السابق طالب كلاً من الولايات المتحدة وإسرائيل، باعتراف فلسيطيني بالسيادة الإسرائيلية الإقليمية على الحرم الشريف بما فيه المسجد الأقصى وقبة الصخرة، واعتراف بوحدة الشطرين الغربي والشرقي للقدس تحت السيادة الإسرائيلية كعاصمة أبدية لإسرائيل.

 

ومع ترشح الرئيس الأمريكي الحالي "دونالد ترامب" للانتخابات الرئاسية الأمريكية في 25 سبتمبر 2016 ، وعد خلال حملته الانتخابية بالاعتراف بالقدس عاصمة موحدة لإسرائيل.

 

و في 26 سبتمبر2016 ومن خلال لقاء جمع بين الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء الإسرائيلي،  أكّد ترامب أنه سيعترف بالقدس عاصمة موحدة لدولة إسرائيل في حال انتخابه، بحجة أنها من حق الشعب اليهودي منذ أكثر من 3000 عام" حسب زعمه.

 

وفي أكتوبر 2016 قال الرئيس الأمريكي من خلال تغريدة له على موقع "تويتر" : "لقد قلت في مناسبات عديدة إنه في عهدي، فإن الولايات المتحدة ستعترف بأن القدس هي العاصمة الوحيدة والحقيقية لإسرائيل".

 

و في 22 يناير 2017 ، أعلن البيت الأبيض عن بدء مناقشة موضوع نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، واستعراض كل تداعياتها على مختلف الأصعدة.

 

وفي 4 أبريل 2017، وصلت بعثة رسمية من الكونغرس إلى إسرائيل لدراسة مسألة نقل السفارة من الناحيتين العملية والسياسية.

 

وفي 1 يونيو 2017 قررت الإدارة الأمريكية نقل السفارة، بهدف تعظيم فرص التفاوض، وأعربت إسرائيل حينها عن خيبة أملها من الموقف الأمريكي، وبعدها في 8 أكتوبر 2017  قال ترمب "إنه يريد أن يعطي فرصة لإحلال السلام بين إسرائيل والفلسطينيين قبل نقل السفارة".

 

وفي 28 نوفمبر 2017، أكّد مايك بينس نائب الرئيس الأمريكي، أن ترمب يدرس بجدية موعد وكيفية نقل السفارة، فيما أعلن البيت الأبيض في 30 نوفمبر 2017، البيت التقارير التي تتحدث عن استعداد الولايات المتحدة لنقل سفارتها سابقة لأوانها.

 

وفي 4 ديسمبر 2017، أعلن البيت الأبيض أن ترامب أجل إعلان قراره بشأن نقل السفارة، على أن يتخذ القرار خلال الأيام القليلة القادمة، أما أول أمس الثلاثاء 5 ديسمبر 2017، فقد أبلغ ترمب رسمياً عدداً من زعماء المنطقة عزمه نقل السفارة، ومنهم رئيس السلطة محمود عباس وملك الأردن عبد الله الثاني والرئيس السيسي.

 

الخلاصة، لم يكن الموقف الأمريكي من القضية الفلسطينية بالجديد فالسياسة الأمريكية  اتسمت طوال الطريق تجاه قضية القدس بالانسجام مع السياسات الإسرائيلية، واتخذ الأمريكيون العديد من المواقف المتصلبة والمنحازة بشكل واضح مع إسرائيل، كما أن الأغلبية الطاغية فى الكونجرس من الصهاينة ووجود أكبر تجمع يهودي في الولايات المتحدة، جعل الموقف الأمريكي متعنتاً وصارماً أمام أي قرار يصدر عن مجلس الأمن ويتضمن إدانة إسرائيل، بل واستخدمت الولايات المتحدة حق النقض الفيتو مرات عدة في سبيل عدم صدور أي قرار يدين حليفتها الأولى في المنطقة، على الرغم من ضخامة مصالحها لدى الدول العربية.

رئيس مجلس الإدارة د. محمد الباز
رئيس التحرير أحمد الطاهري