بث تجريبي

رئيس مجلس الإدارة د. محمد الباز

رئيس التحرير أحمد الطاهري

رئيس مجلس الإدارة د. محمد الباز
رئيس التحرير أحمد الطاهري

تصعيد الضربات الأمريكية لـحركة "الشباب".. تطور الاستراتيجية الأمريكية تجاه الصومال

طباعة

الخميس , 29 نوفمبر 2018 - 02:50 مساءٍ

أعلن الجيش الأمريكى أمس الأربعاء إنه قتل ثلاثة متشددين فى غارة جوية استهدفت حركة الشباب بالصومال. وقالت القيادة الأمريكية فى أفريقيا إن الضربة نُفذت فى الصومال قرب موقع كوى كاد وديباتسيلى التى كانت استهدفتها فى ضربة أخرى الأسبوع الماضي.

وتشن الولايات المتحدة ضربات جوية من وقت لآخر فى الصومال دعما للحكومة الصومالية التى تساندها الأمم المتحدة والتى تقاتل حركة الشباب منذ عدة أعوام. وتزامنت العملية الجديدة مع وصول قائد القوات الأمريكية في إفريقيا "أفريكوم" الجنرال توماس والدهاوسر، أمس الأربعاء إلى العاصمة الصومالية مقديشيو، في زيارة مفاجئة. وأجرى والدهاوسر خلال زيارته، التي استمرت لساعات، محادثات مع الرئيس الصومالي محمد عبد الله فرماجو وكبار المسئولين في وزارة الدفاع الصومالية، حول تكثيف الجهود الهادفة إلى هزيمة المسلحين في الصومال. وأشار الجنرال الأمريكي إلى أن الهدف من زيارته، هو دعم الحكومة الصومالية، مضيفا أن بلاده تقدم أيضًا الدعم إلى بعثة الاتحاد الإفريقي وجهودها في تحقيق تقدم مستمر في الصومال.

وجاءت زيارة والدهاوسر للصومال، في الوقت الذي صعد فيه الجيش الأمريكي الضربات الجوية ضد حركة الشباب المتشددة المرتبطة بتنظيم القاعدة في وسط وجنوب الصومال، ووسط مخاوف من تصاعد هجمات داعش فى الصومال.

وكانت القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا "أفريكوم"، أعلنت في 21 نوفمبر الجارى ، عن مقتل 7 من مسلحي حركة الشباب في غارة جوية على منطقة "عاد" في إقليم مدغ. وأضافت "أفريكوم"، حينها في بيان على "تويتر"، أن الغارة تمت بالتنسيق مع الحكومة الصومالية، بهدف الحد من تحركات مسلحي حركة الشباب في منطقة "عاد".

وكانت "أفريكوم"، أعلنت أيضا الثلاثاء الموافق 20 نوفمبرالجارى ، أنها شنت غارتين جويتين على منطقة "دبد شيل" القريبة من مدينة حررطيري في إقليم مدغ، ما أسفر عن مقتل 37 من مسلحي "الشباب". وقالت "أفريكوم"، حينها في بيان على "تويتر"، إن 27 من مسلحي حركة الشباب قتلوا في الغارة الأولى، بينما قتل 10 آخرون في الغارة الثانية.

وتعهدت "أفريكوم" بمواصلة الغارات على المناطق الخاضعة لسيطرة حركة الشباب في جنوب ووسط الصومال.  وتسعى حركة "الشباب"، للإطاحة بالحكومة المركزية الصومالية، وإقامة حكمها الخاص القائم على تفسير متشدد للشريعة الإسلامية.

وبعد طردها من مواقعها في مقديشيو في عملية مشتركة بين القوات الصومالية والإفريقية، عام 2011، فقدت "حركة الشباب" سيطرتها على معظم مدن وبلدات البلاد، إلا أنها لا تزال تحتفظ بتواجد عسكري قوي في الريف الصومالي، خاصة في جنوب، ووسط البلاد، وتتركز معظم هجمات الحركة في مناطق بولايات هيرشبيلي وجوبالاند في جنوب الصومال، كما تنفذ هجمات في كينيا، معظمها في منطقة تقع على الحدود مع الصومال للضغط على الحكومة الكينية، لسحب قوات حفظ السلام التابعة لها من الصومال.

ويرجع الاهتمام الأمريكى الكبير بالصومال إلى عقود طويلة ماضية، حيث يشرف الصومال على مضيق باب المندب – الذي يشكل المنفذ الجنوبي للبحر الأحمر، والتحكم به يعني التحكم بحركة النفط من وإلى الخليج العربي، ومن ثم أصبحت الصومال بدوره ذا أهمية كبرى بالنسبة لواشنطن؛ إذ تستطيع الولايات المتحدة استخدامه كمنفذ تتصدى من خلاله أي تهديد عسكري روسي لآبار النفط في الشرق الأوسط. وهذه الأهمية الاستراتيجية قد دفعت الإدارة الأمريكية إلى اتخاذ قرار في نهاية السبعينيات بإقامة علاقات أمنية مع نظام سياد بري؛ حيث أنشأت قواعد عسكرية في بربرة بشمال الصومال.

حفاظا على مصالحها في المنطقة أوسعت الولايات المتحدة علاقاتها مع الجمهورية الصومالية، وقدمت لها دعما عسكريا واقتصاديا، حتى ” بلغ الأمر بإدارة بوش أن تتقدم في شهر تموز 1989م بطلب من الكونغرس لمساعدة الحكومة الصومالية بزعامة سياد بري بمبلغ 20 مليون دولار كمساعدة للعام الاقتصادي المالي 1990م”.

وقامت وزارة الدفاع الأمريكية في 28 يونيو 1988 بتقديم أسلحة فتاكة تقدر قيمتها بمبلغ 1.4 مليون دولار أمريكي للقوات المسلحة الصومالية بما فيها 1200 بندقية إم- 16 وأسلحة أخرى تقدر قيمتها بمبلغ 2.8 مليون. وقد حدث هذا وغيره من أمريكا لوضع حد للزحف الروسي نحو القارة السمراء مما يشكل تهديدا مباشرا لمصالحها في المنطقة.

ومن خلال تلك العلاقات التي تربط بين البلدين أبرمت الحكومة السابقة في الثمانينيات من القرن الماضي مع ثلاث شركات أميركية هي “كونوكو فيليبس” وإكسون موبيل وشيفرون، وشركة رويال داتش شيل الهولندية، وشركة صناعة البترول البريطانية، لاستخراج النفط الذي يعتبر بأنه الذهب الأسود، والذي يعتقد بأن كثيرا من مناطقه تطفو فوق ملايين من براميل النفط.

وبعد انهيار الحكومة المركزية التي كان يترأسها الرئيس الراحل سياد برى سادت البلاد فوضى عارمة، وانقطعت العلاقات الدولية تلقائيا، ولكن “الولايات المتحدة لم تغب طويلا عن الساحة الصومالية، فقد قادت أكبر عملية عسكرية إنسانية في التاريخ تحت اسم (عملية إعادة الأمل) في 9 ديسمبر عام 1992 بقرار من الأمم المتحدة للقضاء علي المجاعة في الصومال، وجاءت بقوة تعداداها 30 ألف جندي بمشاركة قوات دولية تابعة للأمم المتحدة، وفي أثنائها دارت اشتباكات بينها وبين مليشيات تابعة للجنرال الراحل محمد فارح عيديد، وأسقطت مليشيات الجنرال طائرة مروحية “بلاك هوك” الأمريكية وقتل 19 جنديا أمريكيا، وانسحبت القوات الأمريكية بعد أقل من 6 شهور من بداية المعركة.

وبعد الانسحاب قامت أمريكا بتوكيل دول الجوار في التدخلات الأمنية والعسكرية في الشؤون الصومالية، وأعطت هي الظهر وتجاهلت عن كثير من أزماته، حتى جاء دور ما كان يسمي باتحاد المحاكم الإسلامية مما أثار انتباهها من جديد، وبدأت تحرك الأمور من وراء الكواليس، وتقوم بتمويل زعماء الفصائل لمواجهة المد الزاحف للمحاكم، وإجهاض مساعيه في مهده.

كما لم تكن أيضا بمنأى عن تشكيل الحكومات الانتقالية المتعاقبة بدءا من حكومة الرئيس عبد قاسم صلاد حسن، ومرورا بحكومة الرئيس عبد الله يوسف أحمد، ووصولا إلى حكومة الرئيس شريف شيخ أحمد. ومنذ ذاك الوقت لم تكن للولايات المتحدة علاقات رسمية مع الصومال بلدا وحكومة، بل كانت تتعامل مع الحكومات الانتقالية المتعاقبة بالطرق الأمنية عبر مؤسساتها الأمنية بفروعها المختلفة على ما يخدم مصالحها القومية الإستراتيجية في الصومال وفي محيطها الإقليمي.

وبعد غياب دام أكثر من عقدين بسبب انهيار الحكومة المركزية ظهرت كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية مع الرئيس الصومالي السابق حسن شيخ محمود في مؤتمر صحفي يوم 17 يناير 2013 عقداه معا في وزارة الخارجية الأمريكية، أعلنت فيه الإدارة الأمريكية استرجاع العلاقات الدبلوماسية التاريخية مع الصومال بعد انقطاع دام أكثر من 22 عاما. كما أعلنت في ذات المؤتمر انتهاء السياسة الازدواجية التي كانت الولايات المتحدة تتعامل مع الحكومات الانتقالية، والإدارات الإقليمية التي تشكلت إثر إطاحة الحكومة المركزية، في إشارة إلى إدارتي أرض الصومال، وبونتلاند.

ومع انتخاب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة، شهدت العلاقة الأمريكية الصومالية تحولات نوعية، إذ اتخذ ترامب استرتيجية جديدة مختلفة عن استراتيجية سابقيه تجاه الصومال.

وضمن الاستراتيجية الجديدة للولايات المتحدة تجاه الصومال، وافق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في نهاية شهر مارس عام 2017 على خطة للبنتاجون تمنح القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا صلاحيات بشن حملة ضد حركة الشباب، وقال بيان للمتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية جيف ديفيس إن الدعم الإضافي الذي تقدمه هذه الصلاحيات سيساعد في حرمان حركة الشباب من الملاذات الآمنة التي يمكن أن يهاجم من خلالها مواطنين أمريكيين أو مصالح أمريكية في المنطقة.

وفسر مراقبون تلك الصلاحيات بأنها تعطي مزيدا من الاستقلالية في اتخاذ قرار بشن الضربات إلى قائد القوات الأمريكية في إفريقيا، الجنرال توماس والدهاوسر؛ الذي رحب فورا بقرار موافقة الرئيس الأمريكي على منحه صلاحيات أكبر لشن هجمات ضد حركة الشباب.

وجاء هذا القرار بعد أقل من شهرين من انتخاب محمد عبد الله فرماجو الذي يحمل الجنسية الأمريكية رئيسا للصومال، وهو ما يفسره البعض بأنه دعم عسكرى لحكومته في مواجهة حركة الشباب.

وفي الثلاثين من شهر أبريل 2017، زار قائد القوات الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم) الجنرال توماس والدوزر العاصمة الصومالية مقديشو، وذلك بعد نحو شهر من قرار الرئيس الأمريكي لمنح صلاحيات أكثر للقائد فيما يتعلق بشن غارات جوية ضد حركة الشباب وتنظيم داعش في الصومال. وأجرى توماس والدهاوسر اجتماعا مغلقا مع الرئيس الصومالي محمد عبد الله فرماجو في صالة كبار الزوار بمطار آدم عدي الدولي في العاصمة مقديشو، وتناولت المباحثات بين الجانبين دعم الصومال في بناء قدرات جيشه. حيث حضر ذلك الاجتماع من جانب الصومال وزير الدفاع في ذلك الوقت عبد الرشيد عبد الله محمد وقائد الجيش في ذلك الوقت الجنرال محمد أحمد جمعاله عرفيد ورئيس الأركان الجنرال عبد الله علي عانود ومن جانب الولايات المتحدة السفير الأمريكي السابق لدى الصومال ستيفن شورتيز وضباط عسكريون أمريكيون.

وكان هذا الاجتماع –حسب رأي بعض المراقبين- يمثل تمهيدا لتكثيف العمليات العسكرية الأمريكية في الصومال ومناقشة التنسيق بين الجانبين في خطة العمليات ضد حركة الشباب.

وفي 31 من شهر يوليو عام 2017 قتل قيادي بارز في حركة الشباب، وهو علي محمد حسين المعروف بـ “علي جبل” في عملية مشتركة نفذتها القوات الأمريكية والصومالية بالقرب من مدينة تورتورو في محافظة شبيلى السفلى بولاية جنوب غرب الصومال. وجاء مقتله ضمن الاستراتيجية الأمريكية الرامية إلى تقويض قدرات حركة الشباب وتصفية قياداتها. ويعتبر علي جبل أرفع قيادي في حركة الشباب قتل في عام 2017 في إطار تصعيد غاراتها الجوية في الصومال.

وكثفت الولايات المتحدة الأمريكية غاراتها الجوية في الصومال بشكل كبير وملحوظ بعد الهجوم الدموي الذي هز العاصمة مقديشو في الرابع عشر من شهر أكتوبر عام 2017 وأودى بحياة أكثر من500 من المواطنين الأبرياء، حيث أصبح شهر نوفمبر من عام 2017 الماضي هو الأكثر نشاطا من بين شهور السنة؛ حيث بلغت عدد الغارات الأمريكية في ذلك الشهر وحده إلى ثلاثين غارة جوية على مواقع ومعسكرات تابعة لحركة الشباب في جنوب الصومال، وحسب إعلان القوات الأمريكية في أفريقيا “أفريكوم” فإنها نفذت في غضون يومين ثلاث غارات استهدفت اثنان منها مواقع تابعة لحركة الشباب في كل من بُولُو غدُود في جوبا السفلى ومنطقة بريرى الواقعة على بعد 65 كيلومتر جنوب غرب العاصمة مقدشو، بينما استهدفت الضربة الثالثة مجموعة داعش في بونتلاند، وقتلت تلك الغارات عددا من مقاتلي الجماعتين.

وفي 13 من شهر نوفمبر أعلنت الولايات المتحدة مقتل 40 متطرفا في غضون أربعة ايام، وذلك خلال خمس غارات استهدفت حركة الشباب الموالية لتنظيم القاعدة، وعناصر من تنظيم داعش في ولاية بونتلاند بشمال شرقي الصومال. وفي 21 من شهر نوفمبر، أعلنت الولايات المتحدة مقتل 100 مسلح من حركة الشباب بضربة جوية على معسكر لها في جنوب الصومال.

يأتي تكثيف الغارات الأمريكية في الصومال في وقت أعلنت فيه القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) في شهر أبريل عام 2017، عن إرسال أربعين جنديا أميركا إضافيا إلى الصومال في إطار تدريب وتجهيز الجيش الصومالي وقوات بعثة الاتحاد الأفريقي (أميصوم) في البلاد. وكشفت الولايات المتحدة في وقت سابق كذلك عن عدد جنودها في الصومال، حيث قالت ساماناثا التي تعمل مسؤولة العلاقات العامة في قيادة القوات الأمريكية في أفريقيا إن القوات الأمريكية التي تعمل في الصومال تضم أكثر من خمسمائة عنصر ما بين عسكريين ومدنيين.

ويشار إلى وجود شكوك فى قدرة الضربات الأمريكية المتصاعدة فى القضاء على حركة الشباب الصومالية، إذ توصلت دراسة أجرتها صحيفة "الجارديان" البريطانية ونشرت فى الثامن من شهر نوفمبر الجارى، إلى أن عددًا غير مسبوق من الضربات الجوية الأمريكية ضد حركة الشباب في الصومال تسبب في خسائر كبيرة دون إضعاف الجماعات المتطرفة.

وأكدت الدراسة أن الولايات المتحدة أجرت 29 غارة جوية في الصومال ضد حركة الشباب هذا العام، بينما في العام الماضي أجرت الولايات المتحدة 27 ضربة ضد تنظيم القاعدة، ووجهت 4 هجمات أخرى العام الماضي ضد مجموعة صغيرة من المقاتلين الموالين لداعش في الدولة الواقعة في شرق أفريقيا.

وألمحت الدراسة إلى أن بعض الهجمات ضد حركة الشباب تسببت في وقوع خسائر كبيرة، حيث لقي ما لا يقل عن 60 من المجندين مصرعهم في هجوم على معسكر تدريب في إقليم "مودج" في وسط البلاد في شهر أكتوبر الماضي، مؤكدة أنه على الرغم من أن العدد الإجمالي للهجمات من قبل المتطرفين قد انخفض بشكل طفيف، إلا أن حركة الشباب تتكيف مع الحملة الجوية المميتة بشكل متزايد.

ووجد المحللون في معهد "هيرال" الذي يتخذ من مقديشو مقرا له أن الجماعة تشن هجمات جماعية أقل على القواعد الحكومية لكن عدد الهجمات ضد المكاتب الحكومية والشركات التي ترفض دفع ضرائبها قد ازداد بشكل ملحوظ.

وأفاد تقرير معهد هيرال بأنه كان هناك أكثر من زيادة مزدوجة في التفجيرات، مما يوحي بأن حركة الشباب اتخذت قرارًا واعيا بالتحول إلى التفجيرات كمصدر أساسي لاستهداف الحكومة الصومالية وحلفائها كطريقة هجوم فعالة. وهنا تجدر الإشارة إلى أن انفجارا ثلاثيا، أدي لمقتل وإصابة العشرات، خلال استهداف فنادق لم تدفع أموال الحماية في وسط العاصمة الصومالية "مقديشيو".

وقال حسين شيخ علي، المدير التنفيذى لمعهد هيرال، ومستشار سابق للأمن القومي: "من المؤكد أن الشباب لم يصبح أقوى، ولكن الحكومة أيضاً لم تعد أكثر كفاءة في محاربته. وكانت الولايات المتحدة نشطة جدا في إصابتها لأهداف كبرى، ولكن السيطرة على مناطق والبقاء فيها شيء بالغ الصعوبة".