بث تجريبي

رئيس مجلس الإدارة د. محمد الباز

رئيس التحرير أحمد الطاهري

رئيس مجلس الإدارة د. محمد الباز
رئيس التحرير أحمد الطاهري

على ماذا تراهن طهران فى مواجهة العقوبات الأمريكية؟

طباعة

الثلاثاء , 06 نوفمبر 2018 - 01:19 مساءٍ

أعلن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب انسحاب بلاده من الاتفاق النووى الدولى مع إيران فى مايو الماضى، وفرضت واشنطن حزمة أولى من العقوبات على طهران فى أغسطس، ثم أعقبتها بحزمة ثانية،  بدأ سريانها أمس الأثنين 5 نوفمبر.

وكانت الإدارة الأمريكية قد أعلنت مرارا خلال الفترة الماضية، أن الهدف من تلك العقوبات هو تحجيم قدرات إيران الصاروخية، والحد من دورها التخريبى فى دول الشرق الأوسط.  ولعل إحداث نوع من الضغط الشعبى وحالة تململ فى صفوف التجار وكسبة البازار، هو ما يرمى باتجاهه الرئيس الأمريكى، فى مبدأ إعادة فرض العقوبات ومحاولة "تصفير" مبيعات النفط الإيرانية، وبالتالي ضغط الاقتصاد والتسبب بالمزيد من الأزمات المالية ورفع منسوب البطالة، لصناعة حالة ضغط داخلية على الإدارة الإيرانية، وبدل "تغيير السلوك" الذي تتحدث عنه الإدارة الأمريكية يمكن بذلك "تغيير النظام" وبالتالي ضرب عصفورين بحجر واحد.

وتعول الإدارة الأمريكية على سوط العقوبات القوى الذى تهدد به كل من يتعامل مع طهران، وفي المقابل تراهن الأخيرة على إخفاق ترامب في إقناع العالم بصواب وجهة نظره وتمرد بقية العالم على إجراءاته.

وبين السوط والتمرد مسافة كالتى بين الحد الأدنى والحد الأقصى، لذا يبدو تعامل بقية العالم أكثر ملائمة مع تعبير عدم الإجماع الرسمى على الإتجاه الأمريكى، مع رضوخ الشركات الخاصة الكبرى وإتخاذها قرار الانسحاب من الإستثمار فى إيران، كحال توتال الفرنسية واينى الإيطالية في قطاع النفط، وبيجو الفرنسية ودايملر الألمانية في قطاع السيارات، فضلا عن مؤسسات أخرى في قطاعات حيوية مختلفة.

مع ذلك لا يبدو أن "تصفير" النفط أمر ممكن مع إستمرار المستورد الأول للذهب الإيراني الأسود، الصين، بالشراء، كذلك الأمر بالنسبة للهند وتركيا، بينما تنتظر عند القارعة كل من كوريا واليابان صدور الإعفاءات الرسمية من واشنطن للمعاودة.

واستبعد المتخصص في الاقتصاد الإيراني المقيم فى لندن، إسفنديار باتمانجليدج، أن تتقلص صادرات إيران النفطية إلى الصفر، قائلا أن الاقتصاد الإيراني بدا أقوى مما ظن البعض ويصب ذلك في مصلحة الحكومة الإيرانية، ولا سيما أن أسعار النفط ترتفع، الأمر الذي يحد من الخسائر".

وينقل باتمانغليدج عن صندوق النقد الدولية توقعه أن يتراجع النمو في إيران بنسبة ٣.٦ عام ٢٠١٩ على أن يستعيد عافيته العام اللاحق، "بالتالي إذا نجحت الحكومة في لعب أوراقها فذلك سينعكس إيجابا على الوضع الاقتصادي.".. لكن باتمناغليدج، المولود لعائلة إيرانية غادرت إيران مع ثورة الملالى، يشير إلى أن إحدى أخطر التحديات التي ستواجهها إيران هي إستفحال سوء الإدارة.

وبالعودة إلى مشتري النفط الإيراني، لا بد من الإشارة إلى أن الصين لم تشتر كل الكمية التي كانت تشتريها سابقا من إيران هذا الشهر، والسبب يعود إلى تمنّع بنك كونلون الصيني عن التعامل مع الإيرانيين إلتزاما بالعقوبات. كما أن شركات صينية رئيسية تبدو كمن ينتظر الحصول على صفقات أفضل مع فتح الباب في طهران أمام الشركات الإيرانية الخاصة لبيع النفط للخارج بأسعار تشجيعية.

في هذا الإطار، يقول المحلل السياسي الصيني ليو تشانغ إن القول أن بلاده "ستملأ فجوة الصادرات فهذا ليس واقعيا"، مؤكدا أن الصين "لا تريد الحفاظ على الاتفاق النووي فحسب بل أيضا ان تتحمل الولايات المتحدة مسؤوليتها كدولة كبرى". ويضيف تشانغ "موقف الصين واضح، نحن نحافظ على علاقتنا الاقتصادية مع إيران بحسب القانون، وورادات الصين من النفط الإيراني مرتبط بحاجتها".

وتختلف زاوية الرؤية في طهران بعض الشيء عن تلك التي في بكين، يشرح الأستاذ في جامعة طهران محمد مرندي وجهة نظر بلاده، قائلا "اعتقد أن دور الصين محوري بالنسبة لإيران للتهرب من العقوبات، العملة الصينية قوية والصين تريد مضاعفة إستخدام اليوان"، مضيفا أن تصدير النفط الإيراني إلى الصين يساعد الأخيرة على توسيع دورها.

وعلى الرغم من إعلان الهند عدم إلتزامها بالعقوبات، إلا أنها ما زالت تنتظر شمولها بالإعفاءات الأمريكية، وقد قامت بالتوازي مع لك بتأسيس خط مالي خاص للتعامل مع إيران يسمح لها بشراء حاجتها بإستخدام العملة المحلية "الروبيه" التي ستودعها في مصرف هندي ليست له إرتباطات دولية، وبعد ذلك تستخدم طهران هذه الأموال لشراء ما تحتاجه من نيودلهي.

وهكا تكون الهند قد أوفت حق العلاقة مع طهران دون أن تتحدى جوهر ما يطلبه الرئيس الأمريكي، وها الجوهر عينه الذي تحاول أوروبا ملاقاته في منتصف الطريق مع الحفاظ على الاتفاق النووى والعلاقة مع إيران، ومنع وصول الدولار إلى يد طهران.

وتعمل أوروبا، كما أعلنت سابقا، على آلية خاصة للتعاطي الاقتصادي مع إيران تسمح للدول والمؤسسات بالإستيراد من هناك والتصدير دون أن تعرضها للعقوبات الأمريكية. وحتى كتابة هذه الكلمات ما زالت الآلية تحت البحث على مستويات مختلفة، لتحديد مكانها وطريقة عملها فضلا عن قدرتها الحقيقية على حماية المهددين بالعقوبات منها.

وكشفت التعقيدات الأوروبية بشكل واضح عن مدى الإرتباط العضوي للإقتصاد الأوروبي بالولايات المتحدة وصعوبة أخذ مسار مغاير لمصالح واشنطن، وهو ما يحفز السياسيين الأوروبيين أكثر على محاولة الوصول إلى حل حقيقى. وهذا ما عبّر عنه ديتر كيمف، رئيس إتحاد قطاع الصناعة في ألمانيا بالقول إن الولايات المتحدة من خلال إستعمال الاقتصاد لأهداف سياسية تعقد العلاقات الدولية والشراكة بينها وبين أوروبا."

وسبق ذلك بيان واضح عن الإتحاد الأوروبي في ٣ نوفمبر، قال فيه وزراء خارجية بريطانيا وألمانيا وفرنسا فضلا عن مسؤولة العلاقات الخارجية في الاتحاد الأوروبي فديريكا موغريني، إنهم يأسفون "بشدة" للقرار الأمريكي بإعادة العقوبات. وأضافوا "نحن مصممون على حماية الأطراف الاقتصادية الأوروبية التي لها تعاملات تجارية مشروعة مع إيران بما يتسق مع التشريعات الأوروبية وقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2231". وأشار البيان إلى أن الإتحاد سيعلن عن آلية خاصة للتعاملات المالية مع إيران تحت إسم Special Purpose Vehicle.

وبالتوازي، أعلنت سويسرا أنها تقوم بالتواصل مع كل من الولايات المتحدة وإيران والإتحاد الأوروبي لوضع آلية خاصة للتبادلات المالية الإنسانية على حد وصفها، والتي تتضمن تصدير الطعام والأدوية إلى إيران. وتترقب إيران الحلول التي سيقدمها الخارج لها للإلتفاف على العقوبات، وهي بدورها ستقوم، كما قال رئيسها حسن روحاني صباح يوم تفعيل العقوبات، بكل ما بإمكانها للإلتفاف عليها.

وثمة خشية كبيرة في إيران من أن العقوبات الأمريكية ستعيد إنتاج حالة هجينة تضع اقتصاد طهران مجددا خارج الدائرة الاقتصادية العالمية، وهو ما سيفتح الباب بشكل أكبر على سوء الإدارة، والتهريب، وصناعة أغنياء جدد. وهو ما سبق أن مرت به إيران ولم تغادر آثاره بعد المجتمع الإيراني، الذي دخل في نسق يزداد فيه الأغنياء غنى والفقراء فقرا، بينما الطبقة الوسطى في حالة إنكماش مستمر.