بث تجريبي

رئيس مجلس الإدارة د. محمد الباز

رئيس التحرير أحمد الطاهري

رئيس مجلس الإدارة د. محمد الباز
رئيس التحرير أحمد الطاهري

ترامب والحليف المضطرب

طباعة

الخميس , 16 نوفمبر 2017 - 03:27 مساءٍ

جوديث ميلر
جوديث ميلر

جوديث ميلر

ترجمة : محمود غراب

داخل النفق رقم 3 شديد الرطوبة ذات الحدود الضيقة، أسفل قرية بانجمون جوم، حيث تساقطت قطرات المياه المتسربة من الصخور المتصدعة فوق رأسى على أنفى وأكتافى. وبمجرد أن سلكت طريقى فى ممر أكثر ضيقا يمتد لمسافة ميل، 250 قدم تحت الأرض،  كنت ممتنة بالقبعة التى قدمها لى المرشد الكورى الجنوبى الذى كان برفقتى. دققت النظر من خلال نافذة صغيرة فى باب يؤدى إلى الباب الثانى، الذى يؤدى إلى كوريا الشمالية.

منذ 40 عاما، حفرت كوريا الشمالية هذا النفق سرا ، إلى جانب ثلاثة "أنفاق عدوان" أخرى على الأقل، بهدف تسلل الجنود والجواسيس إلى كوريا الجنوبية. وقال لى المرشد الخاص بى،  إن الكوريين الجنوبيين عثروا على هذا النفق فى عام 1978، وقد يكون هناك 20 نفقا إضافية. وكان النفق رقم 3 هو الأبرز فى جولتى بالمنطقة منزوعة السلاح الشهيرة، التى تمتد لمسافة 156 ميل، وتفصل كوريا الجنوبية الحرة المزدهرة عن الشمالية المقهورة الفقيرة.   

على النقيض من رؤساء الولايات المتحدة الآخرين، لم يكن مقررا أن يزور دونالد ترامب المنطقة منزوعة السلاح خلال زيارته الأولى لكوريا الجنوبية، التى جاءت ضمن جولة أسيوية استمرت 11 يوما. وبدلا من ذلك، ألقى ترامب خطابا أمام الجمعية الوطنية، السلطة التشريعية فى كوريا الجنوبية. وكان ترامب أول رئيس أمريكى يفعل ذلك منذ 25 عاما. وقد زار ترامب أيضا "كامب هامفرايز" فى ابيوجتايك، جنوب سيول، حيث يتمركز 28 ألف،  و500 جندى أمريكى فى كوريا الجنوبية. وقال دبلوماسى أمريكى:" نحن نرغب أن تكون تلك الرحلة تطلعية."  

بالألغام الأرضية المتناثرة، والأسلاك الشائكة التى تحيطها، أصبحت المنطقة بين الكوريتين المتنازعتين- مالم يكن محتملا-  واحدة من مناطق الجذب السياحى الأكثر شهرة فى كوريا الجنوبية. يمكنك شراء تذكرة للقطار غير الموجود لبيونج يانج، فى محطة حديثة أنشئت لربط كوريا الشمالية، والجنوبية، فى الأوقات المأمونة، عندما كان ينظر للوحدة كأمر ممكن.  وتكثر متاجر بيع الهدايا التذكارية، حيث تباع شوكولاتة بفول الصويا تعلوها كلمات "المنطقة المنزوعة السلاح" DMZ هذا إلى جانب أكواب وأقنعة وتى شيرت وكرات جولف تعلوها عبارة " المنطقة المنزوعة السلاح" DMZ.  ودعك من هذا، وتعالى إلى كوريا الجنوبية عبر الشريط الذي يقدر اتساعه بـ2.5 ميل،  يعتبر من بين أكثر المناطق المحصنة في العالم، لتحويله لمركز سياحى.  

على الرغم من أن الكوريتين ما زالتا فى حالة حرب من الناحية الفنية-  فالحرب الكورية انتهت في 1953 بوقف إطلاق النار، وليس معاهدة سلام- فإن التباين بين المنطقة المغطاه بالأسلاك الشائكة، والروح التجارية المبهجة فى المنطقة منزوعة السلاح، يعتبر ضربا من الخيال.  

فى سيول، عاصمة الاقتصاد الحادى عشر الأكبر فى العالم، تبدو قلة من الكوريين مستقرة على إمكانية اندلاع الحرب مع الشمالية، سواء عمدا أو عن طريق الخطأ. فالمتاجر والمطاعم والحانات مليئة. وقد تفردت كوريا الجنوبية بالتحول من دولة مستقبلة للمساعدات الخارجية إلى مانحة فى جيل واحد. ورغم التوترات الجيوسياسية المتنامية، ومعدلات البطالة المرتفعة بين الشباب، ينمو اقتصاد كوريا الجنوبية بأسرع وتيرة فيما يزيد عن سبع سنوات.   

ومع ذلك، يساور القلق المسئولين فى البيت الأزرق الرئاسى، من الخطاب الملتهب التى يوجهه الرئيس ترامب للرئيس الكورى الشمالى كيم يونج أون، أو "الرجل الصاروخى الصغير" كا اعتاد ترامب أن يطلق عليه.

وقد سألنى مستشار للرئيس الكورى الجنوبى "مون جاى إن"،  خلال إقامتى التى دامت أسبوعا فى العاصمة الكورية:" هل هو مختلا للإقدام على تنفيذ هجوم وقائى؟".. وسأل:" هل الخطاب الصارم لترامب وافتقاره للخبرة فى الشئون الخارجية قد يثير صراعا عارضاغير متعمد؟.. وأضاف: " فى حال اندلعت الحرب، نحن من نعانى".   

وقال المستشار إن الرئيس مون جاى إن  لم يعتقد أن "كيم يونج أون" ليس عقلانيا،  أو أن الحرب بين الكوريتين وشيكة. وأضاف المستشار:" كوريا الشمالية لا تقول أنها تريد القضاء على كوريا الجنوبية. أنهم يريدونك فقط جار فى شبه الجزيرة. رغم ما يقوله كيم، الوحدة ليست هدفه على الأقل على المدى القصير."

فى نفس الوقت، يبدو أن المسئولين الكوريين يساورهم القلق من أن  تتخلى عنهم أمريكا. فى مؤتمر دولى بسيول الشهر الماضى، قال بروس كلينجر مسئول المخابرات المخضرم الذى يعمل حاليا بمؤسسة التراث" هيريتيدج فاوندويشن"، إن ترامب ينبغى أن يستخدم المحادثات فى سيول لضمأنة المسئولين الكوريين. وأضاف:" ذهبنا إلى هناك لأجلك، مستشهدا بعبارة" كاتشى كابسيدا" شعار الردع المنتشر فى كوريا. ويأمل كلينجر أن تفند زيارة ترامب فكرة رديئة أخرى" . الدعوات المتزايدة من بعض المحافظين الكوريين، ومنهم وزير الدفاع الكورى الجنوبى، للولايات المتحدة، بتعزيز الدفاعات الكورية الجنوبية بإعادة نشر 100 سلاح نووى تكتيكى احتفظت بهم الولايات المتحدة فى كوريا حتى عام 1991، عندما قام الرئيس جورج اتش دبليو بوش بسحبها، وجميع الأسلحة النووية التكيتيكية الأخرى. رفض مون الفكرة. وقال كيم دونج جو- المتحدث باسم مون- إن موقف حكومته الصارم بشان إخلاء شبه الجزيرة الكورية من الأسلحة النووية، يبقى ثابتا دون تغيير.      

ويبدو أن مون محبط على نحو متزايد من وضعه الضئيل فى التحالف الأمريكى الكورى الجنوبى. فقد تم انتخابه فى مايو، وتعهد بإعادة التعامل مع كوريا الشمالية والتصدى لواشنطن إذا استدعت الضرورة. لكن كيم يونج أون لم يستجب لمقترحاته الدبلوماسية، مقوضا الخيارات أمام مون، باستثناء الوقوف مع ترامب، مما عزز الاتهامات الموجهة اليه من حزبه اليسارى بانه دمية أمريكية. وتجاوب مون جزئيابالتواصل مع الرئيس الصينى تشى جنبينج.  

الأسبوع الماضى، اتفق مون وتشى على إنهاء خلافهما حول موقف بكين حيال سماح كوريا الجنوبية بنشر النظام الدفاعى الأمريكى المعروف بـ" ثاد". وفرض الصين عقوبات على الأعمال الكورية الجنوبية، وخصوصا فى السياحة ومستحضرات التجميل، ووسائل الترفيه، وتراجع أعداد السائحين الصينيين إلى كوريا الجنوبية فى الشهور التسعة الأولى من العام، مما كلف سيول 6.5 مليار دولار فى العوائد. ووالآن، وافقت بكين على رفع العقوبات غير الرسمية، شريطة موافقة سيول على الحد من انتشار النظام الدفاعى" ثاد" .

ويقول كيم جين هيون رئيس منتدى السلام العالمى، إن الكوريين ليسوا ضد الأمريكيين، وليسوا أنصارهم أيضا، خاصة أن القومية والمشاعر المناهضة للأمريكيين، تترسخ فى الشباب الكورى. ونوه كيم قائلا "الصين فى الحقيقة لا تعاملنا كمستقلين."   

وهناك ثمة بند محتمل فى أجندة ترامب هو رغبة كوريا الجنوبية فى فرض مزيد من السيطرة على قواتها المسلحة فى حالة الحرب، ورغبتها فى رفض التدخل العسكرى الأمريكى ضد كوريا الشمالية. فالاتفاقية الموقعة فى الخمسينيات تضع القوات الكورية تحت قيادة أمريكية فى حالة الحرب.  

وفى خطاب له مؤخرا، قال مون إن استخدام القوة ضد بيونج يانج قرار لا يجوز اتخاذه دون موافقة كوريا الجنوبية. ويعتبر ميشيل أوسلين الخبير فى الشئون الأسيوية فى معهد هوفر، أن تركيز مون على جلب كوريا الشمالية مرة أخرى إلى طاولة المفاوضات" خطأ" رغم اعترافه بعدم جدوى الخيارات العسكرية.   

فرغم أن مون يعارض بشدة العمل العسكرى ضد البرنامج النووى لكوريا الشمالية، فإنه وافق مؤخرا على أكبر زيادة سنوية فى الميزانية العسكرية لكوريا الجنوبية خلال عقد تقريبا، وتعهد بالابقاء على التفوق العسكرى لبلاده.

وقد عمل مون عن قرب مع الولايات المتحدة لتصعيد العقوبات على كوريا الشمالية. هذا الخريف،  قام كلا من مون وترامب بفرض عقوبات على ثمانية بنوك كورية شمالية وما يزيد عن 12 شخصية يحملون الجنسية الكورية الشمالية يعملون فى الصين وروسيا وليبيا. ويقول جارى سامور المستشار السابق فى إدارة أوباما إن ممارسة أقصى قدر من الضغط على بيونج يانج نهج سليم. لكن مسئولى البيت الأزرق لا يتوقعون أى مفاجآت من الرئيس ترامب، ويقول كريستوفر هيل الدبلوماسى السابق والمفاوض مع كوريا الشمالية:" من الجيد أن تكون غير متوقع، لكن هذا بالنسبة لخصومك، ليس لحلفائك."