بث تجريبي

رئيس مجلس الإدارة د. محمد الباز

رئيس التحرير أحمد الطاهري

رئيس مجلس الإدارة د. محمد الباز
رئيس التحرير أحمد الطاهري

تبادل الأراضي .. المخطط التاريخي الذي تواجهه القاهرة بسياط الحسم

طباعة

الثلاثاء , 26 يونيو 2018 - 04:13 مساءٍ

لاتزال تداعيات الجولة التي قام بها الوفد الأمريكي بقيادة جاريد كوشنر إلى المنطقة تلقي بظلالها على المشهد الإقليمي ، لاسيما فيما يتعلق بترتيبات ما يعرف باسم " صفقة القرن " التي تعوّل عليها الإدارة الأمريكية لإنهاء النزاع العربي الفلسطيني - وفق رؤيتها.

الصفقة التي تسعى واشنطن إلى إنهاء لمساتها الأخيرة في أقرب وقت ممكن دخلت مؤخرا حلقة هامة بالجولة التي قام بها مستشار الرئيس الأمريكي جاريد كوشنر إلى المنطقة ثم زيارة العاهل الأردني عبد الله الثاني الولايات المتحدة ولقائه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في خضم تحركات دبلوماسية نشطة ارتباطاً بخطة ترامب لتصفية القضية الفلسطينية.

وترتكز " صفقة القرن" وفق عدة تقارير على مسألة قبول الفلسطينيين بأبو ديس عاصمة لدولتهم بدلا من القدس الشرقية ، مقابل انسحاب إسرائيل من نحو 5 قرى وأحياء عربية شرقي القدس وشماليها ، لتصبح المدينة القديمة بين يدي الحكومة الإسرائيلية ، كما أن وادي الأردن سيكون تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة ، علاوة على أن الدولة الفلسطينية ستكون من دون جيش ومنزوعة السلاح ومن دون أي أسلحة ثقيلة ، بالإضافة إلى تشكيل خطة اقتصادية لإعادة إعمار قطاع غزة.

 

وفي ضوء التحركات الأخيرة للإدارة الأمريكية فإن مصر تعد هي الحلقة الأقوى في جبهة معارضي صفقة القرن ، ويتضح ذلك من خلال ما يلي :

- وفق تقارير عدة ، تعتمد صفقة القرن في جانب منها على تبادل الأراضي للأراضى مع إسرائيل ، ومنح جزء من سيناء لإقامة دولة فلسطينية عليها ، وهو محل رفض تام من الدولة المصرية.

- أوضح دلالة على رفض الدولة المصرية كامل جوانب الرؤية الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية كانت عقب الاجتماع الذي جرى بين الرئيس عبدالفتاح السيسي وجاريد كوشنر الخميس الماضي بحضور وزير الخارجية المصري سامح شكري والقائم بأعمال رئيس جهاز المخابرات العامة اللواء عباس كامل ، حيث قبيل مغادرة المسئول الأمريكي القاهرة كانت الرئاسة المصرية قد أصدرت بيانا ذكرت فيه أن القاهرة تدعم كل الجهود والمبادرات التي تهدف إلى الوصول إلى اتفاقية شاملة ، ( تستند على القرارات الدولية التي صدرت في الماضي ، وعلى حل الدولتين على حدود 1967، وعلى أن تكون القدس الشرقية عاصمة فلسطين ) ، وهذه الرؤية المصرية تعارض تماما وتتنافى مع الطرح الأمريكي الحالي .

 

 

- الرؤية المصرية ترتكز على الرفض التام لفصل قطاع غزة عن الضفة الغربية ككيان مستقل ووضع أي تصور يمكن أن يؤدي في النهاية إلى إنهاء وضع القدس كعاصمة لفلسطين.

- ترى مصر أن السلام يجب أن يكون سياسيا أولا ثم اقتصاديا ، فالاحتلال هو السبب الرئيسي والمباشر للمعاناة الاقتصادية في غزة أو الضفة الغربية ، ومن ثم فإن التفكير في زوال تلك المعاناة يجب أن يرتكز على زوال الاحتلال ، كما لا يتصور أن يتخلى الجانب الفلسطيني عن قضيته وأرضه مقابل مشروعات ومساعدات اقتصادية للفلسطينين ليست الولايات المتحدة ولا إسرائيل المحرك الرئيس لها.

- ترفض مصر أن تمارس ضغوطا على السلطة الفلسطينية من أجل الجلوس على مائدة تفاوض مع إسرائيل أو الإدارة الأمريكية ، كما لا تؤيد القاهرة إسقاط السلطة الفلسطينية ومحاولة استبدال الرئيس الفلسطيني محمود عباس .

 

 

- ترى القاهرة أن الوسيط ( الإدارة الأمريكية ) لابد أن يقف على مسافة واحدة من جميع الأطراف ، وبالتالي يجب أن تكون هناك ترتيبات مسبقة للخطوات التي تقوم بها الإدارة الأمريكية حاليا تتعلق في مجملها بإقناع الجانب العربي والفلسطيني خصوصا أن واشنطن ليست راعية للجانب الإسرائيلي ولا مدفوعة من خلاله.

- في أعقاب النزاع العربي الإسرائيلي عام 1948 تم تأسيس وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين في الشرق الأدنى ( الأونروا ) بموجب القرار رقم 302 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 1949 بهدف تقديم برامج الإغاثة المباشرة والتشغيل للاجئي فلسطين. ووفق التعريف العملياتي للأونروا ، فإن لاجئي فلسطين هم الذين كانت فلسطين هي مكان إقامتهم الطبيعي خلال الفترة الواقعة بين يونيو 1946 ومايو 1948 ، والذين فقدوا منازلهم ومورد رزقهم نتيجة الصراع العربي الإسرائيلي عام 1948. وفي إطار الصفقة الأمريكية المزعومة تسعى واشنطن إلى تجاوز " الأونروا " ، حتى تذهب الأموال المخصصة للاجئين مباشرة إلى الدول التي تستضيفهم ، وبهذه الطريقة سيحسمون مشكلة اللاجئين ، والتي تعتبر من أصعب القضايا في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. ووفق هذا الحل تقضي الولايات المتحدة تماما على حق العودة التاريخي للفلسطينيين ، وهو ترفضه القاهرة أيضا.

 

 

تاريخ مخطط تبادل الأراضي  

 

سبق في السطور الماضية عرض مبررات الرفض المصري لمسألة تبادل الأراضي كجزء من حل القضية الفلسطينية ، لكن للتركيز على تلك النقطة يجب الإشارة إلى ما يلي :

- مخطط توطين الفلسطينيين في سيناء كجزء من حل اللنزاع مع إسرائيل ليس وليد اليوم بل له أبعاد تاريخية بدأت منذ خمسينات القرن الماضي وتحديدا عام 1953 ، وقد رفضه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.

- في عام 1955 حاولت منظمة الأونروا وضع تصور تحت مبررات إنسانية حيث طلبت من الرئيس عبد الناصر تخصيص مساحة من سيناء لإقامة مشروعات اقتصادية للفلسطينيين المتضررين من الاحتلال ورفض عبد الناصر.

 

 

- خلال مباحثات كامب ديفيد تم طرح الأمر لكن الانتصار في معركة أكتوبر كان الداعم الأهم لموقف الرئيس السادات الرافض لمخطط توطين الفلسطينيين في سيناء.

- في عام 2003 قامت المجلة الدورية لوزارة الدفاع الأمريكية بنشر خرائط تقسيم الدول العربية التي وضعها اليهودي برنارد لويس وأشارت بوضوح إلى ملامح من صفقة القرن الحالية .

- في عام 2005 انسحبت إسرائيل من قطاع غزة كبداية لفصل القطاع عن الضفة وهي أولى خطوات بناء دولة فلسطينية في القطاع مع التمدد في سيناء – وفق المخطط.

- في عام 2010 طرح مستشار الأمن القومى الإسرائيلى السابق اللواء جيورا إيلاند المخطط بوضوح وتم التسويق له داخل إسرائيل ثم عرضه علي القادة العرب فيما بعد وقال إيلاند في ذات العام أن إسرائيل أقنعت الولايات المتحدة الأمريكية بالمخطط وأنه يستلزم ضغطا منها للوصول إلى حل إقليمي شامل للصراع العربي – الإسرائيلي.

 

- في نوفمبر 2015 وخلال زيارة للقاهرة أكد الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، أنه رفض عرضاً إسرائيلياً لاستلام 1000 كيلومتر في سيناء في عهد الرئيس المعزول محمد مرسي. وقال عباس إن مشروع سيناء كان مطروحاً للتشاور بين حركة حماس وإسرائيل لاقتطاع 1000 كم من أراضي سيناء لتوسيع غزة في زمن مرسي، لكنه رفض المشروع قائلاً: "لن نأخذ أي سنتيمتر واحد من أرض مصر".كما ذكر أن الرئيس العزول عاتبه على رفض العرض وقال باللهجة المصرية العامية "وإنت مالك إنت هتاخد أرض وتوسع غزة"، موضحاً أن وزير الدفاع المصري "آنذاك" الفريق أول عبدالفتاح السيسي أصدر قراراً بأن أراضي سيناء أمن قومي ووطني وأغلق هذا المشروع.

 

 

- في نوفمبر 2017 أكد وزير الخارجية سامح شكرى أن مصر لن تسمح بالتفريط فى ذرة واحدة من تراب شبه جزيرة سيناء ، وذلك في معرض رده تلفزيونيا على تصريح لوزيرة شئون المساواة الاجتماعية الإسرائيلية، جيلا جامليئيل التى قالت فيها إن «سيناء أفضل مكان لدولة الفلسطينيين»، على حد زعمها. وقال شكرى في حينه : " نرفض مجرد تناول أى شأن مصرى أو الحديث عن الأراضى المصرية من أى جهة.. لا نقبل ذلك أبدا لما فيه من انتقاص من سيادة مصر على أراضيها، وخاصة سيناء، التى ارتوت بدماء المصريين دفاعا عنها، ولن يتم التنازل عن ذرة واحدة، أو أن يعتدى عليها أحد".

- في نوفمبر 2017 كشفت " بي بي سي " البريطانية عن وثائق زعمت أنها تؤكد قبول الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك قبول توطين الفلسطينيين في سيناء كجزء من تحقيق السلام مع إسرائيل ، ما أضطر الرئيس الأسبق إلى نشر بيان عاجل للرد علي تلك التقارير مؤكدا عدم صحتها ونفاها مبارك فى بيانه نفيا قاطعا . وذكر مبارك :" لقد كانت هناك مساعٍ من بعض الأطراف لإقناعى بتوطين الفلسطينيين الموجودين فى لبنان فى ذلك الوقت بمصر، وهو ما رفضته رفضا قاطعا كما رفضت كل المحاولات والمساعى اللاحقة إما لتوطين فلسطينيين فى مصر أو مجرد التفكير فيما طرح على ، من قبل إسرائيل ، تحديدا عام 2010 لتوطين فلسطينيين فى جزء من أراضى سيناء من خلال مقترح لتبادل الأراضى كان قد ذكره لى رئيس الوزراء الإسرائيلى فى ذلك الوقت ، مضيفا :" تمسكت بمبدأ لم أحِد عنه وهو عدم التفريط فى أى شبر من أرض مصر، التى حاربت وحارب جيلى كله من أجلها".

- في يناير 2018 قال أحمد أبو الغيط الأمين العام لجامعة الدول العربية إن مصر لم تعرض أبدًا تبادل أراضٍ في سيناء مع إسرائيل ولا يمكن أن يحدث ذلك، معلقًا على ما يزعمه البعض بشأن ما أسموه «صفقة القرن»، بقوله: " مفيش الكلام ده، ولا يمكن أن تقبل مصر بذلك حتى لو كانت هناك ضغوطًا، هذه أرض".