بث تجريبي

رئيس مجلس الإدارة د. محمد الباز

رئيس التحرير أحمد الطاهري

رئيس مجلس الإدارة د. محمد الباز
رئيس التحرير أحمد الطاهري

مسارات تفاوض الدولة المصرية في قضية سد النهضة

طباعة

الاثنين , 14 مايو 2018 - 05:06 مساءٍ

في كلمته أمام الدورة الثانية والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة سبتمبر الماضي ، ركز الرئيس عبد الفتاح السيسي بشكل مستفيض علي قضية حوض النيل وإحترام مصر للإتفاقيات التاريخية الخاصة بنهر النيل والتي تحفظ حقوق مصر التاريخية من مياه النيل ، في رسالة تعكس إدراك القيادة السياسية بحيوية هذا الملف وأهمية فيما يتعلق بالأمن المائي لمصر.

توقف الرئيس السيسي وقتها مع قضية حوض النيل ليعبر عن الرؤية المصرية أمام ضمير المجتمع الدولي من منبر الأمم المتحده .. في رسالة كانت واضحة ، بوجود تقدير موقف مستقبلي من القيادة السياسية بموقف مفاوضات سد النهضة "المعقد" منذ أكثر من أربع سنوات مع إثيوبيا والسودان ، وأيضا كاشفة لشواغل الدولة المصرية تجاه مسار التفاوض "المتعثر" خاصة علي المستوي الفني ، في ضوء المخاوف المصرية من آثار السد علي حصة مصر التاريخية من مياه النيل.

ربما نستعيد كلمة الرئيس من منبر الأمم المتحدة التي تضمنت التزامات الدولة المصرية تجاه الأشقاء في حوض النيل والإتفاقيات الحاكمة للتعاون والشراكة في نهر النيل وخاصة مبادرة حوض النيل عام 1999 ، ونحن ننظر لمسار التفاوض "المجمد" ، قبل انعقاد الجلسة الثانية للإجتماع التساعي الذي يضم وزراء الخارجية والري ورؤساء المخابرات بالدول الثلاثة مصر والسودان وإثيوبيا ، غدا الثلاثاء بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا ، للبناء علي لقاء القمة الثلاثي بين قادة الدول الثلاثة في يناير الماضي علي هامش اجتماعات الإتحاد الإفريقي.

تطورات مستمرة يشهدها ملف سد النهضة ، علي مدار أكثر من أربعة سنوات شملت أكثر من 18 جلسة تفاوض فني بين وزراء الري وسياسي بحضور وزراء الخارجية ورؤساء المخابرات ، فضلا عن لقاءات قادة الدول الثلاثة ، لكن  يبقي أننا حقيقة واحده وهي أن هناك تعثر عبر عنه صراحة وزير الخارجية المصري سامح شكري في بداية شهر مايو الجاري بأن المشاورات الأخيرة بأديس أبابا لم تتجاوز التعثر الذي انتاب مسار التفاوض منذ سنة لاستمرار التحفظ السوداني والاثيوبيا على التقرير الاستهلالي حتى يتم استكمال الدراسات.

ورغم أن هذه المرة الأولي تقريبا التي يتحدث فيها وزير الخارجية المصري عن تعثر المفاوضات الثلاثية ، خاصة بعد الإجتماع التساعي الأول الذي عقد في الخرطوم أوائل شهر إبريل والتي استمرت لنحو 14 ساعة ، لكن شكري وضع سياق التفاوض حول سد النهضة في مساره الصحيح عندما أكد علي أن الملف فني وعلمي وغير قابل للتأويل السياسي ، وبالتالي يجب القبول بما يتم استخلاصه من خلال الوسائل العلمية بعيدا عن التحيز.

وعلي مدار جولات التفاوض المختلفة بشأن السد كانت هناك فترات تعثر في الجانب الفني سرعان ما يتم تجاوزه بلقاءات القمة لقادة الدول الثلاثة واللقاءات السياسية لمسئولي تلك الدول ، كالتي جرت في ستبمر 2015 بعد انسحاب المكتب الهولندي من إجراء الدراسات الفنية لسد النهضة الإثيوبي مع المكتب الفرنسي ، وتم استئناف المفاوضات بعد اجتماع سداسي شارك فيه وزراء خارجية الدول الثلاث.

لكن بعد عرض التقرير الإستهلالي الخاص بالدراسات التي يجريها المكتبين الاستشاريين الفرنسيين حول آثار السد علي دولتي المصب مصر والسودان ، والذي وافقت عليه مصر ورفضته السودان وإثيوبيا في جولة المفاوضات نوفمبر 2017 ، لازال موقف التفاوض صعبا ، ومن هنا تأتي أهمية جولات التفاوض التساعية لوزراء الخارجية والري ورؤساء المخابرات بالدول الثلاثة بناءا علي توجهات قادة الدول الثلاثة.

وسط هذه الأجواء تتمسك الدولة المصرية بحل المسائل العالقة في ملف سد النهضة وفقاً لاتفاق إعلان المبادئ الموقع في 2015، من خلال مسار المفاوضات الثلاثية .. ومن هذا المنطلق هناك عدة مسارات تتحرك من خلالها الدولة المصرية سنستعرضها فيما يلي.

 

 

مسارات المفاوضات المصرية

قبل الحديث عن مسارات التفاوض التي تتحرك من خلالها الدولة المصرية ، يجب التوقف مع محطات رئيسية بشأن قضية السد تسببت في تعقد وضع المفاوضات خلال السنوات الأخيرة ، والبداية مع توتر العلاقات المصرية بدول حوض النيل في 2010 بعد أن وقعت 5 دول من حوض النيل علي الاتفاقية الإطارية لمياه النيل المعروفة باسم " اتفاقية عنتيبي " وهي إثيوبيا وأوغندا ورواندا وتنزانيا وكينيا ، في الوقت الذي رفضتها مصر والسودان .

ومع عدم الاستقرار الأوضاع السياسية والأمنية في مصر بعد يناير 2011 وتراجع الإهتمام بملف مياه النيل ، وبعد أن وصل الأمر لحالة إحتقان مع إثيوبيا في أعقاب التعامل غير الدبلوماسي والصدامي مع ملف سد النهضة في عهد حكم الإخوان ، تضاعفت المخاطر التي تحيط بالمصالح المائية لمصر.

من هذا المنطلق ، يدرك الرئيس عبد الفتاح السيسي خطورة الموقف والمخاطر الخاصة بحصة مصر المائية ، ومن هنا اتخذت الدولة المصرية مجموعة من التحركات المختلفة خلال السنوات الماضية ، بهدف تحريك مسار التفاوض والحوار مع الجانب الاثيوبي ، بجانب استعادة الثقة والعلاقات مع الأشقاء في حوض النيل وكسب حلفاء ووسطاء يدعمون الحقوق التاريخية والقانونية لمصر في مياه النيل.

استهدفت تحركات مصر تحقيق هدف واحد وهو حماية حصتها التاريخية من نهر النيل والسعي لاعتراف دول حوض النيل بحقوقها الموثقة قانونا في معاهدات واتفاقيات دول حوض النيل ، وفرضت الأزمة علي مصر السير في عدة مسارات للحوار والتعاون بشعار " الشراكة " أبرزها كما يلي:

 

1- المسار القانوني :

حيث نجحت الدبلوماسية المصرية وسياسة الانفتاح والشراكة التي تبناه الرئيس السيسي في توقيع رؤساء مصر والسودان واثيوبيا علي وثيقة اتفاق مبادىء بين الدول الثلاثة حول سد النهضة في مارس 2015 كتعهد جديد وقع عليه الاطراف الثلاثة لحماية حقوق ومصالح كل دولة المائية .

وتستند مصر لهذا الإتفاق الذي تضمن عشرة مبادىء أساسية تحفظ فى مجملها الحقوق والمصالح المائية المصرية، وتتسق مع القواعد العامة فى مبادئ القانون الدولى الحاكمة للتعامل مع الأنهار الدولية ، وتشمل تلك المبادئ: مبدأ التعاون، التنمية والتكامل الاقتصادى، التعهد بعدم إحداث ضرر ذى شأن لأى دولة، الاستخدام المنصف والعادل للمياه، التعاون فى عملية الملء الأول لخزان السد وتشغيله السنوى، مبدأ بناء الثقة، ومبدأ تبادل المعلومات والبيانات، ومبدأ أمان السد، ومبدأ احترام السيادة ووحدة أراضى الدولة، وأخيراً مبدأ الحل السلمى للنزاعات.

ومن أهم البنود التي تضمنها إعلان المبادىء هو مبدأ عدم الإضرار ، تجنبا لأي آثار سلبية للسد وطريقة تخزينه ، كما أن الإتفاق نجح في سد الثغرات التى كانت قائمة فى المسار الفنى.

في نفس الوقت تستند الدولة المصرية في الجانب القانوني إلي اتفاقية مبادرة حوض النيل عام 1999 ، والتي تحدث الرئيس عبد الفتاح السيسي عنها في كلمته أمام الأمم المتحدة سبتمبر الماضي وقال أن "مصر كانت من أكثر الدول اهتماماً بإطلاق مبادرة حوض النيل عام 1999 " .. وأهمية تلك المبادرة أن دول حوض النيل العشرة وقعت عليها في تنزانيا بهدف تدعيم التعاون الإقليمي بين هذه الدول والوصول إلي تنمية مستدامة في المجال السياسي-الاجتماعي، من خلال الاستغلال المتساوي للإمكانيات المشتركة التي يوفرها حوض نهر النيل" ، كما أنها تحفظ الحقوق التاريخية لمصر من مياه النيل وحصتها المائية المحددة في اتفاقية تقسيم مياه النيل 1959 والتي حددت حصة مصر 55.5 مليار متر مكعب سنويا.

 

2- المسار السياسي:

وهو مسار مهم تسير فيه الدولة المصرية بالإنفتاح علي دول القارة الإفريقية والمشاركة في كافة الفعاليات الإفريقية ، من خلال توثيق مصر لعلاقاتها الافريقية وزيادة التأثير المصري في افريقيا وخاصة دول حوض النيل .. من هذا المنطلق سجل الرئيس السيسي حضورا قويا علي مستوي القارة السمراء منذ توليه الرئاسة في 2014 ، بحضوره 6 اجتماعات لقمة الإتحاد الإفريقي خلال 4 سنوات ، وقيامه بأكثر من 20 زياره لدول إفريقية كان معظم هذه الزيارات لدول حوض النيل وخاصة السودان وإثيوبيا.

علي نفس المستوي من التعاون ، كانت القاهرة قبلة لرؤساء وزعماء القارة الافريقية ، حيث استقبلت مصر عدد ليس بالقليل من رؤساء وزعماء أفارقة ، بجانب زيارات الوفود وكبار المسئولين الافارقة لتعزيز التعاون المشترك.

أيضا استضافت القاهرة عدد من الفعاليات الإفريقية المهمة التي تستهدف تحقيق التنمية بالقارة السمراء ، لعل أبرزها اجتماعات الكوميسا ومنتدي إفريقيا بشرم الشيخ ، فضلا عن مشاركة الشباب الإفريقي بمنتدي شباب العالم وترحيب الرئيس السيسي بتدريب شباب إفريقيا في الأكاديمية الوطنية لتأهيل وتدريب الشباب.

 

3- المسار الخارجي:

وهو ما تسير فيه مؤسسة الخارجية المصرية مع الأطراف الدولية المؤثرة في القضية وخاصة لدي دول حوض النيل ، حيث تنوعت الاتصالات المصرية الخارجية مع حلفائها بالخارج وخاصة الشركاء والمنظمات التي تقدم تمويلا لسد النهضة مثل ايطاليا وبعض الدول الاوربية .

واستهدفت تحركات الخارجية أيضا دخول دول لديها أدوات صغط سياسية واقتصادية ونفوذ في القارة الإفريقية لحل القضية بما لا يضر بالحقوق المصرية وفي مقدمة هذه الدول ، دول الخليج وإيطاليا وفرنسا والصين وجميعها دول تتمتع بعلاقات جيدة مع القاهرة .

كما كثفت الدولة المصرية وسائل التعاون المشترك من خلال الدعم الذي تقدمه من خلال الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية وبرامجها المختلفة الموجهة للدول الإفريقية.

 

4- مسار التفاوض :

باستكمال المفاوضات الفنية التي تقوم بها اللجنة الثلاثية المشتركة بين مصر والسودان واثيوبيا ، ولكن مصر تسعي لتعجيل مسار التفاوض وعدم اضاعة الوقت .

نتائج التحرك المصري واضحة ، فقد حققت الدولة المصرية بعض المكاسب أهمها اتفاق المبادىء الثلاثي مع السودان وإثيوبيا حول سد النهضة في مارس 2015 ، وإن كان مسار التفاوض الذي نص عليه الإتفاق لم ينتهي ولم يحقق نتائج حتي الأن لتحديد حجم مخاطر سد النهضة علي حصة مصر .

الأمر الأخر أن الدولة المصرية استطاعت أن تدخل في علاقات مصالح مع دول حوض النيل وساهمت مصر من خلال " الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية " أن تقدم خدمات تنموية ومساعدات للدول الإفريقية وخاصة دول الحوض ساهم في استعادة التأثير والتواجد المصري لدي تلك الدول.

واتضح هذا في مشاركة الرئيس السيسي في يونيو 2017 بأول قمة رئاسية لدول حوض النيل بعد توقف اجتماعات تلك الدول وجمود التفاوض لمدة 7 سنوات .

وبالتالي تأتي أهمية توقف الرئيس السيسي أمام قضية حوض النيل بالأمم المتحدة في محاولة للتأكيد علي الحقوق القانونية والتاريخية لمصر من مياه النيل ، والدفع باحترام مصر للمواثيق والقوانين الدولية في ملف المفاوضات خاصة فيما يتعلق بملف سد النهضة ، إذا استخدمت مصر خيار القانون الدولي أو التحكيم الدولي .


المصادر:

- وثيقة إعلان المبادىء بين مصر والسودان وإثيوبيا

- اتفاقية تقسيم مياه النيل 1959

- الاتفاقية الإطارية لمياه النيل

- الموقع الرسمي لمبادة حوض النيل

- بيان مصر أمام الدورة 72 للأمم المتحدة

- بيانات وزارة الري المصرية حول جولات التفاوض حول سد النهضة

===============================