بث تجريبي

رئيس مجلس الإدارة د. محمد الباز

رئيس التحرير أحمد الطاهري

رئيس مجلس الإدارة د. محمد الباز
رئيس التحرير أحمد الطاهري

هكذا تري إسرائيل صفقة الغاز مع مصر!

طباعة

الاثنين , 12 مارس 2018 - 03:15 مساءٍ

 

 

نشر معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) ورقة بحثية يتناول فيها بالتحليل أبعاد صفقة الغاز الأخيرة الموقعة بين مجموعة "دولفينوس" المصرية ومجموعة "ديليك" الإسرائيلية، واستعرض خلالها الواقع الجديد الذى خلفته هذه الاتفاقية والأسباب التي دفعت مصر وإسرائيل للذهاب للصفقة، والمنافع التي قد تعود على مصر والمنطقة جراء توقيع هذه الاتفاقية وفقاً لوجهة النظر الإسرائيلية، وطرح السيناريوهات التي ممكن من خلالها أن يتم نقل الغاز بين مصر وإسرائيل، بما فيها من خط أنابيب تحت الماء مباشرة من حقل تمار إلى مصر، بطول حوالي 300 كيلومتر.

 

 وإلى نص الدراسة وفقاً لما أورده الموقع الإلكتروني لـ (معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي):

 

تعد صفقة الغاز التي وقعت مؤخراً بين الشركاء في حقلي (تمار وليفياثان ) و مجموعة "دولفينوس" المصرية مصلحة جيوسياسية واضحة لدولة إسرائيل،  وفرصة لتعميق علاقاتها مع جيرانها.

 

وأثارت الاتفاقية جدلا عاما في مصر، ولكن من وجهة نظر أمنية، فإن تدفق الغاز من إسرائيل إلى مصر والأردن والسلطة الفلسطينية يجعلها مصلحة إقليمية، وليست مجرد مصلحة إسرائيلية.

 

فمن ناحية الواقع الجديد الذي سيتم خلقه، فإن أي ضرر يلحق بقدرة إسرائيل على إنتاج الغاز من جانب حزب الله أو حماس سيضر أيضاً بإمدادات الكهرباء في الأردن ومصر والسلطة الفلسطينية.

 

وتنضم هذه الاتفاقية إلى معاهدة التصدير الموقعة مع الأردن في سبتمبر 2016 وتشكل خطوة أخرى نحو إنشاء بنية تحتية مشتركة للغاز في المنطقة، والتي ستعمل لصالح جميع الأطراف المعنية، وأيضاً في سياق النزاع الحدودي بين إسرائيل ولبنان.

 

وفي 19 فبراير، أعلنت شركات الغاز في إسرائيل عن عقد لتصدير 64 متر مكعب من الغاز الطبيعي إلى مصر بقيمة 15 مليار دولار لمدة عشر سنوات. ويستند العقد المبرم بين مالكي حقل  (تمار وليفياثان) ومجموعة  "دولفينوس" المصرية إلى مذكرة تفاهم تعود لأكتوبر 2014. ويمكن الافتراض أن الحكومة الإسرائيلية لعبت دوراً هاماً في تحقيق الصفقة، سواء من ناحية تقديمها للحكومة المصرية، ومن ناحية أيضاً تغطية الضمانات المطلوبة من "دولفينوس" للموافقة عليها.

 

الضوء الأخضر لتوقيع صفقة الغاز في مصر، بعد تأخير طويل من جانب القاهرة، استند إلى مجموعة متنوعة من الاعتبارات:

 

أولا: تطلع مصر لتسوية ملف التعويضات المستحقة من شركة الغاز المصرية والتى تبلغ 1.76 مليار دولار لشركة الكهرباء الإسرائيلية في ضوء قرار التحكم دولي الصادر في عام 2015.

 

 ثانياً: يعد قرار تخصيص غالبية حقل غاز "ظهر" للسوق المصري خطوة تمهد الطريق أمام ضخ الغاز من إسرائيل وقبرص ودول أخرى لمصانع الإسالة المصرية في أدفو ودمياط ومن ثم التصدير إلى أوروبا، وهي الخطوة التي تزيد من القيمة الاقتصادية والسياسية الكامنة في حقيقة أن مصر هي الدولة الوحيدة التي تمتلك بنية تحتية لإسالة الغاز.

 

ثالثاُ: الوعود المتعلقة بالعائدات المقدرة بنحو 22 مليار دولار في عشر سنوات وتعزيز العلاقات الاقتصادية بين مصر وأوروبا.

 

على الرغم من المزايا، أثارت صفقة الغاز مع إسرائيل جدلاً عامًا في مصر. وخرجت عناصر إسلامية، معظمهم خارج مصر، ضد "استيراد الغاز العربي الإسلامي المسروق من دولة فلسطين المحتلة وجلب المليارات إلى الخزانة الصهيونية". وأشارت أحزاب المعارضة العاملة في مصر إلى الخوف اعتماد مصر على إسرائيل، وتركزت انتقاداتها على التشكيك في الفوائد الاقتصادية للاتفاق العائدة على الجمهور المصري العام والتركيز كذلك على عدم الشفافية التي رافقت توقيعه.

 

وردا على ذلك، أشار المتحدثون باسم النظام في مصر إلى الاعتبارات التركية القطرية وراء بعض الانتقادات للاتفاق. وتقلص دور الحكومة المصرية خلال التوسط في الصفقة، وتم التقليل من أهميتها السياسية، والتأكيد على مزاياها الاقتصادية.

 

 وأعرب الرئيس السيسي، المنشغل تلك الأيام بانتخابات ولايته الثانية عن رضاه عن تصدير الغاز من المنطقة عبر مصر وليس من خلال دول أخرى، ملمحا إلى تركيا. ووفقا له، بسبب الاتفاق حصلت مصر على موطئ قدم في شرق البحر الأبيض المتوسط، وضعت نفسها كمركز إقليمي للطاقة وحسب تعبيره - "سجل هدفا هائلا".

 

ويبدو أن "الجول" الذي يحتفل به الرئيس السيسي يضع إسرائيل ومصر كاللاعبين في "المجموعة" نفسها التي تسعي لدفع أهدافهما المشتركة. وأكدت مقالات في الصحف القومية المصرية على المكاسب التي حققتها الدولتان، وأشار البعض إلى العلاقة بين التنسيق الأمني في سيناء وتوسيع التعاون في مجال الطاقة.

 

ويعطي هذا المنظور المصري عمقًا إضافيًا لعلاقة السلام، ويؤكد على المصلحة المتبادلة طويلة الأجل في تطوير هذه العلاقة. كما تخلق صفقة الغاز منصة للتعاون الإضافي الثنائي والمتعدد الأطراف في المنطقة، والتي ستضم مصر وإسرائيل. ومع ذلك، من السابق لأوانه اعتبار هذه الاتفاقية بمثابة قفزة في مجال التطبيع.

 

صفقات الطاقة بين إسرائيل ومصر تم عقدها منذ الثمانينيات، وبالتالي فأن الصفقة الحالية ليست سابقة في تاريخ البلدين. بالإضافة إلى ذلك، من الصعب التنبؤ فى هذه المرحلة حجم المكاسب من الصفقة التي سوف تتسرب إلى الجمهور المصري الواسع وتزيد من تقديره وتعاطفه مع السلام.

 

من القضايا الرئيسية التي لم يتم تناولها في الاتفاقية هي طريقة نقل الغاز من إسرائيل إلى مصر. وفي إعلان لاحق من قبل شركات الغاز إلى البورصة، لوحظ أن المفاوضات جارية مع  ) EMGغاز شرق المتوسط) لعكس خط الأنابيب الأصلي ، الذي تم إغلاقه في عام 2011. ويعتبر ذلك البديل الأرخص والأسرع، لكنه يتضمن تحديات أمنية كبيرة حيث أنه معرض للتخريب في شبه جزيرة سيناء، سواء لأسباب أيديولوجية أو لابتزاز القبائل في المنطقة.

 

إذا لم يتحقق هذا البديل، فسيكون هناك بديل آخر رخيص وهو بناء خط أنابيب بطول 100 كيلومتر جنوب قطاع غزة يربط خط أنابيب غاز جنوب إسرائيل مع خط أنابيب الغاز المصري في سيناء عبر معبر (كيرم شالوم- كرم أبوسالم أو معبر  نيتسانا) ، والذي سيسمح لإسرائيل بالوصول إلى خط الغاز العربي الذى يصل للأردن، و يمتد أيضاً  لبنان وسوريا) ، لكنها ستكون معرضة أيضاً للتهديدات الأمنية ، ولذلك يعتبر البديل الأكثر أماناً ولكن الأعلى من الحيث التكلفة هو وضع خط أنابيب تحت الماء مباشرة من حقل تمار إلى مصر، بطول حوالي 300 كيلومتر.

 

إن توقيع صفقة بين الأطراف دون الإشارة إلى مسألة النقل، والتي لها انعكاسات هامة على المسألة الربحية وسعر الغاز المطلوب، يثير احتمال أن تلعب الاعتبارات السياسية والاقتصادية الإضافية دوراً في نجاح أو توقيت المعاملة، وبالإضافة إلى مشكلة النقل، قد يؤدي الفشل في حل مشكلة الدين المصري لشركة الكهرباء الإسرائيلية إلى صعوبة في تنفيذ الاتفاقية.

 

أصبح البديل "المصري" لنقل الغاز من إسرائيل، وفي المستقبل من قبرص وربما من لبنان، أكثر واقعية من وضع خط أنابيب لتركيا. ويرجع ذلك إلى تطرف

السياسة الإقليمية التركية، وتدهور علاقاتها مع أوروبا، وإمكانية تعزيز حزب الله بعد الانتخابات المقبلة في لبنان، التي من المتوقع أن يمر عبرها خط الأنابيب.

 

ويضاف إلى ذلك سياسة جديدة للطاقة تقوم بها تركيا في العام الأخير، إذ تعتمد بشكل رئيسي إلى خفض الزيادة في استهلاك الغاز الطبيعي في الاقتصاد لاستخدام الفحم والطاقة المتجددة (والطاقة النووية لاحقًا). من ناحية أخرى، تقدم مصر لإسرائيل سوقاً محلية متنامية وإمكانية استخدام مصانع الإسالة لديها للنقل إلى أوروبا. ونظراً للمنافسة الكبيرة المتوقعة لسوق الغاز المسال في أوروبا في السنوات القادمة، فإن استخدام مرافق التسييل الحالية هو البديل الحقيقي الوحيد لشراكات الغاز في إسرائيل إذا رغبوا في تقديم سعر تنافسي.

 

بالإضافة إلى خط الأنابيب إلى مصر، تم بناء خط أنابيب إلى الأردن كجزء من اتفاقية لتوريد 45 متر مليار مكعب من الغاز على مدار 15 عامًا، والتي تم توقيعها في عام 2016. وسوف يمر خط الأنابيب من شمال "بيت شان" وسيقوم أيضًا بنقل الغاز إلى السلطة الفلسطينية، مما يسمح بضخ كميات غاز أكبر بثلاثة أضعاف الكمية المطلوبة للصفقة الأردنية وفتح إمكانية "ارتباط شمالي" مع خط أنابيب الغاز العربي الذي يمر عبر الأردن.

 

للصفقات مع الأردن ومصر قيمة استراتيجية كبيرة لإسرائيل والمنطقة. التي تضاف إليها اتفاقية مستقبلية محتملة مع السلطة الفلسطينية، والتي ستسمح بتوريد الغاز وربما إنتاج الغاز أيضا قبالة ساحل غزة. تعمل هذه الاتفاقيات على تثبيت علاقات إسرائيل مع جيرانها من خلال إنشاء حزمة من المصالح المشتركة، وفتح إمكانية التعاون الإقليمي بما يتجاوز قضية الغاز الطبيعي، مثل تصدير واستيراد الكهرباء والمياه المحلاة.

 

من وجهة نظر أمنية، فإن تدفق الغاز من إسرائيل إلى مصر والأردن والسلطة الفلسطينية يجعلها مصلحة إقليمية وليست إسرائيلية فقط. في الواقع الجديد الذي سيتم إنشاؤه، فإن أي ضرر يلحق بقدرة إسرائيل على إنتاج الغاز من حزب الله أو حماس سيضر أيضاً بإمدادات الكهرباء في الأردن ومصر والسلطة الفلسطينية.

 

وسيشكل هذا التهديد مكونا هاما للتعاون الاستخباري والأمني من جانب البلدان المتجاوران لتحديد ومنع أعمال التخريب، فضلا عن كونه حافزا للهدوء في حالة القتال مع إحدى المنظمات. ومن وجهة نظر اقتصادية، فإن الشراكة بين إسرائيل وجيرانها فيما يتعلق بموارد الطاقة ستشجع دخول المزيد من المستثمرين إلى منطقة شرق البحر المتوسط وستوضح لهم أنه بإمكانهم تنفيذ مشروعات الإنتاج والتصدير واسعة النطاق التي تتطلب تعاونًا إقليميًا.

 

قد يكون للاتفاقية آثار على القضية اللبنانية، إذ يشكل النزاع الذي لم يحسم مع لبنان حول ترسيم الحدود البحرية إزعاجًا سياسيًا وأمنيًا لإسرائيل. ومن ناحية أخرى، لم يمنع  هذا النزاع مصر أو الأردن من الدخول في صفقة طاقة طويلة الأمد مع إسرائيل.

 

من الواضح أن صراعا على السلطة بين إسرائيل ولبنان سيكون له عواقب مدمرة خاصة بالنسبة للبنان، وذلك لأن لبنان لن تكون قادرة على استغلال النفط والغاز في مياهها ، لكنه قد يضر أيضا بالمصالح الإسرائيلية في تطوير احتياطيات الغاز القريبة من الحدود.

 

من المعقول أن نفترض أن الخطاب الحربي الذي يتم سماعه حالياً في لبنان وتكرار مقترحات التوافق الأمريكية، ليس سوى أصوات خلفية للانتخابات المقبلة في إسرائيل. ومع ذلك، من الأفضل أن تعمل الدول التي تحافظ على الحوار السياسي مع لبنان ، وخاصة تلك الشركات التي تشارك في تطوير الغاز، على وقف الغطرسة فى لبنان.