بث تجريبي

رئيس مجلس الإدارة د. محمد الباز

رئيس التحرير أحمد الطاهري

رئيس مجلس الإدارة د. محمد الباز
رئيس التحرير أحمد الطاهري

الجماعات المسلحة فى الغوطة الشرقية.. هل يضمن "الخروج الآمن" إنهاء الصراع السوري؟

طباعة

الأربعاء , 07 مارس 2018 - 01:44 مساءٍ

أيام دامية تشهدها الغوطة الشرقية، إثر القصف العنيف التى تتعرض له تلك المنطقة الاستراتيجية منذ 18 فبراير، لأجل إخراج الجماعات المسلحة من أكبر معاقلها قرب العاصمة السورية دمشق.

ويعود التصعيد العسكرى بالغوطة الشرقية، إثر قيام الجماعات المسلحة هناك باستهداف العاصمة دمشق، وردت قوات الجيش السورى بقصف المنطقة، مما أودى بحياة المئات حتى الآن.  

ويرغب الجيش السورى، بدعم روسي إيرانى، فى تكرار سيناريو مدينة حلب، عبر إخراج جميع العناصر المسلحة وإحكام سيطرة النظام السورى على منطقة غاية في الأهمية.  

الخروج الآمن

وقد دفع هذا التصعيد العسكرى بالغوطة الشرقية بالأمم المتحدة إلى المطالبة بوقف فوري للعمليات العسكرية، مؤكدة أن الوضع الإنساني بلغ مستويات جد خطيرة. كما طرحت روسيا خطة تضمن لمسلحي الفصائل "خروجا آمنا". غير أن فصائل مسلحة، أكدت عدم وجود أي مفاوضات بشأن انسحاب مقاتليها من الغوطة الشرقية.

وقال حمزة بيرقدار المتحدث العسكري باسم "جيش الإسلام"، أحد جماعات المعارضة السورية في الغوطة الشرقية، اليوم الأربعاء، إن مقاتلي المعارضة سيدافعون عن الغوطة، ولا مفاوضات على الخروج منها الذى اقترحته روسيا.

وقد عرضت روسيا الخروج الآمن لمقاتلي المعارضة من الغوطة الشرقية، قرب العاصمة دمشق، مع عائلاتهم وأسلحتهم الشخصية. ولم يحدد الاقتراح الروسي إلى أي مكان سيذهب مقاتلو المعارضة، لكنه يعيد إلى الأذهان اتفاقات سابقة وافق بموجبها المقاتلون على التخلي عن أراض مقابل الخروج بسلام إلى مناطق أخرى تسيطر عليها المعارضة قرب الحدود التركية. وقالت وزارة الدفاع الروسية في بيان: "يضمن مركز المصالحة الروسي الحصانة لكل مقاتلي المعارضة الذين يقررون مغادرة الغوطة الشرقية بأسلحتهم الشخصية ومع أسرهم". وأضافت أنه سيتم توفير سيارات "وتأمين المسار بأكمله".

وتحفل الغوطة الشرقية بجماعات مسلحة معارضة عديدة، شهدت فيها تحالفات عديدة خاصة فى وجه تنظيم "داعش" الذى لم يعد له وجود يذكر بهذا الحيز الجغرافى. غير أن هذه الجماعات، دخلت كذلك فى صراعات مسلحة فيها بينها، بشكل جعل بشار الأسد يثق فى استعادة الغوطة الشرقية.

الجماعات المسلحة فى الغوطة الشرقية

وفى ضوء الطرح الروسى لإنهاء القتال المستعر فى الغوطة الشرقية، يستعرض" النادى الدولى" الجماعات المسلحة التى تقاتل ضد الجيش السورى فى تلك المنطقة الاستراتيجية القريبة من العاصمة السورية دمشق بالتفصيل، وهى كالتالى:   

-"هيئة تحرير الشام"

بعد الروابط المتعددة التي ظهرت بينها وبين تنظيم القاعدة المصنف دوليا تنظيما إرهابيًا، حاولت جبهة النصرة، التي يقودها أبو محمد الجولاني والمصنفة في خانة الإرهاب من الولايات المتحدة التخلص من هذا الإرث الذي أثر سلبياً على سمعتها، خاصة وأنها تؤكد رفضها لأيّ هجمات على المدنيين ولأيّ ضربات خارج سوريا. لذلك، وبعد إعلانها فكّ الارتباط، غيرت اسمها إلى جبهة فتح الشام، وسوقت نفسها كبديل إسلامي معتدل مقارنة بتنظيمي "القاعدة" و"داعش"، خاصة وأن عدة معارك وقعت بينها وبين هذا التنظيم الإرهابي الأخير.

وعادت النصرة، التي ربطت عدة تقارير بينها وبين المال القطري، لتعلن هيكلة نفسها من جديد داخل هيئة تحرير الشام، وهي منظومة من الجماعات المسلحة تضم كذلك جبهة أنصار الدين، وجيش السنة، ولواء الحق، فضلاَ عن تنظميات أقل حجما كـ"مجاهدي أشداء". وقد كانت هذه الهيئة تضم سابقاً حركة نور الدين زنكي، لكن هذه الأخيرة انفصلت عنها مؤخرا. يتزعم هاشم الشيخ، الملقب بأبي الجابر، هذه الهيئة، وقد كان زعيماً سابقاً لجماعة أحرار الشام.

جاء تشكيل هذا التنظيم في سياق محادثات أستانا، إذ قدمت الهيئة نفسها رافضة لأيّ عملية سياسية يحضر فيها النظام، وقد حاولت الهيئة لمّ الفصائل المسلّحة المعارضة لأجل التوّحد وراء هدف أساسي هو إسقاط نظام الأسد،  وإقامة نظام حكم إسلامي. خلافاً لـ"داعش"، لم تنجح هيئة تحرير الشام في استقطاب مقاتلين أجانب بالكم ذاته. وقد ذكرت عدة تقارير أنها ترغب بالخروج من الغوطة الشرقية مقابل التمدد في مناطق أخرى.

- "جيش الإسلام"

يعتبر من أقوى الفصائل المسلحة في الغوطة الشرقية، خاصة وأن اسمه انتقل من "سرية الإسلام" إلى "جيش الإسلام"، إثر نجاحه في استقطاب الكثير من الكتائب والألوية الصغيرة. أسسه وقاده زهران علواش إلى غاية مقتله نهاية 2015 ليخلفه أبو همام البويضاني. تشير التقديرات إلى أنه يتكوّن من ما بين 10 و15 ألف مقاتل، فضلاً عن توّفره على أسلحة ثقيلة ومتوسطة.

تأسس في بدايات الحرب السورية. يتبنى "فكرا إسلاميا معتدلا" حسب موقعه الرسمي، وسبق له أن شارك في محادثات للمعارضة بالرياض، ممّا جعل الكثير من التقارير الإعلامية تتحدث عن كونه مدعوماً من السعودية، خاصة وأن وزير خارجية هذه الأخيرة، دافع عن زهران علواش، وقال إن اغتياله لا يخدم العملية السلمية في سوريا، لكن "جيش الإسلام" ينفي أن يكون قد تلقى دعما ماليا من الرياض.

رغم اتفاقهما على محاربة "تنظيم داعش"، إلا أن معارك عنيفة دارت بين "جيش الإسلام" و"هيئة تحرير الشام" لخلافات عقدية، إذ يتهم الأول الثانية بكونها متشددة وتحمل فكرة القاعدة، فضلاً عن خلافات استراتيجية تتعلّق بمراكز النفوذ. لكن هذا "الجيش" أبدى في بياناته رغبته بإنهاء التوتر مع "الهيئة"، خاصة وأنهما شاركا في عمليات ضد النظام السورى سابقا.

- "فيلق الرحمن"

أحد أبرز الجماعات المنضوية تحت لواء ما يسمى بـ" الجيش السوري الحر"، وأقل الجماعات المذكورة في هذا التقرير من حيث عدد المقاتلين. لا يضع تنظيم "فيلق الرحمن"، الذي نشط بقوة ابتداءً من عام 2013، إقامة دولة إسلامية هدفاً له وإن كان يضع شعارا إسلاميا ويؤكد حرصه على مبادئ الإسلام. .يضم الفيلق مجموعة من الألوية. وقد وقع توتر ثلاثي  بينه وبين "جيش الإسلام" و"هيئة تحرير الشام" في الغوطة الشرقية، ففي البداية أعلن الفيلق أنه سيحارب "الهيئة" لكن "جيش الإسلام" قال إن الطرفين تعاونا ضده. يعلن هذا الفيلق محاربة تنظيم "داعش" وبقية التنظيمات التكفيرية، ويعد أحد أبرز الفصائل المسلحة المعارضة التي شاركت في محادثات أستانا، منضماً بذلك إلى مناطق خفض التصعيد مع سوريا، لكن التصعيد الأخير أوقف هذا الاتفاق.

-" أحرار الشام"

تصف نفسها على موقعها بأنها "حركة إسلامية إصلاحية شاملة، تقاتل في سبيلِ الله"، وأنها تعمل "لنصرة دين الله وإعلاء كلمته وتخليص هذا الشعب من الدكتاتورية والتسلّط لعقود مضت. كانت شريكة لـ"جيش الإسلام" في مجموعة من العمليات، كما كانت حليفة لجبهة النصرة إطار "جيش الفتح". وقد سبق لها أن شكرت تركيا وقطر على وقوفهما إلى جانب الثورة، ممّا جعل متتبعين يتحدثون عن وجود دعم مادي من هاتين الدولتين لـ"أحرار الشام".

كانت قوية جداً في بدايات الحرب السورية، إذ تشير تقديرات أنها اقتربت من 20 ألف مقاتل، ممّا جعلها أحد القوى التي ساهمت في السيطرة على مدينة الرقة. لكن الحركة التي أسسها حسان عبود، بدأت تتراجع منذ اغتيال غالبية أعضائها في سبتمبر 2014، واستمر تراجعها بعد تأسيس "هيئة تحرير الشام"، خاصة مع هجرة الكثير من القياديين إلى التنظيم الجديد، ووقوع انشقاقات متعددة هذه الهجرة جعلت الحركة، التي يقودها حاليا حسن صوفان، تغيّر كثيرا من ثوبها السلفي الذي عُرفت به.

دارت معارك كثيرة بينها وبين "هيئة تحرير الشام" بسبب النزاع على مناطق النفوذ، قبل أن يتوصلا إلى اتفاق بينهما. أعلنت مؤخراً عن توحدها مع "كتائب نور الدين زنكي" تحت اسم جديد هو "جبهة تحرير سوريا" مع بدء قصف النظام للغوطة الشرقية، الأمر الذي سيتيح لـ"أحرار الشام" فرصة لتقوية صفوفها من جديد، لكن ذلك متوقف على استمرار هذا التحالف.

- "كتائب نور الدين زنكي"

اشتُهرت هذه الكتائب بأنها سريعة التحالف، وفي الوقت نفسه سريعة الخروج من هذه التحالفات، ممّا جعلها غامضة الاصطفافات. يقودها توفيق شهاب الدين منذ تأسيسها عام 2011، وقد كان لها حضور قوي في مدينة حلب ضمن "جيش المجاهدين" التي تأسس للقضاء على "داعش". تتحدث عن تبنيها للإسلام الوسطي المعتدل، ويصل عدد مقاتليها إلى بضعة آلاف، وقد تأثرت سلباً كثيرا باستعادة النظام لمدينة حلب.

تشير الكثير من التقارير أنها تلقت على مراحل متباعدة دعما ماليا من الولايات المتحدة في إطار برنامج أمريكي ضد "داعش". كما تلقت الحركة، بشكل رسمي، تدريباً من القوات التركية.  تأثرت صورتها سلبياً عندما أظهر شريط فيديو قيام مسلحين منها بذبح طفل، وهو ما نددت به قيادة الحركة، كما اتهمتها منظمة العفو الدولية، بقتل وتعذيب صحفيين وعمال إنسانيين في حلب، إلى جانب مجموعات أخرى كـ"أحرار الشام" و"جبهة النصرة".

وعلى هذا النحو، يستمر القتال فى الغوطة الشرقية، فى ظل تمسك الجماعات المسلحة بالتحصن فى آخر معاقلها الرئيسية، ورفض كل الأطروحات الرامية لوضع حد لهذا الوضع المتدهور فى تلك المنطقة الإستراتيجية.

ضمانات إنهاء الصراع فى سوريا

لكن مع الوضع فى الاعتبار احتمال أن تقبل تلك الجماعات المسلحة الطرح الروسى بـ" الخروج الآمن"، يبرز التساؤل الأهم عن الجهة المقبلة المحتملة لتلك المليشيات، وما هى ضمانات أن تتخلى تلك المليشيات عن السلاح، والاندماج فى عملية سياسية تضع حدا للصراع فى سوريا؟

المتابع لمجريات الوضع فى سوريا عامة والغوطة الشرقية خاصة، يعرف جيدا أن الحل الوحيد لتسوية الأزمة السورية، يكمن فى سحب كافة المظاهر المسلحة هناك، وأن تتخلى تلك الجماعات عن سلاحها، وتندمج فى عملية سياسية بهدف إنهاء الصراع.

لكن الضمانة الوحيدة لهذا الطرح هو أن تتخلى الدول المتورطة عن أهدافها الخاصة بتصفية حساباتها على الساحة السورية عن طريق الحرب بالوكالة، وممارسة ضغوط حقيقية على تلك الجماعات المسلحة الموالية لها، والتى تقاتل ضد الجيش السورى، لأجل الإندماج فى عملية سياسية حقيقية برعاية أممية، تمهد لتسوية شاملة عادلة لهذا الصراع.