بث تجريبي

رئيس مجلس الإدارة د. محمد الباز

رئيس التحرير أحمد الطاهري

رئيس مجلس الإدارة د. محمد الباز
رئيس التحرير أحمد الطاهري

الوضع السياسى فى إثيوبيا.. ماذا بعد استقالة ديسالين؟

طباعة

الأحد , 18 فبراير 2018 - 12:19 مساءٍ

جاءت استقالة رئيس الوزراء الإثيوبي هايلي ماريام ديسالين، الخميس الماضى( 15 فبراير 2018) بصورة هزت الداخل الإثيوبي بشكل واضح، بعد إعلان ديسالين بيان الإستقالة من منصبه كرئيس وزراء ورئيس للحزب الحاكم، "الحركة الديمقراطية لجنوب شعوب إثيوبيا"، وذلك في ظل الجهود الرامية إلى إيجاد حل دائم للوضع الحالى في البلاد بعد ما شهدته من أزمات متتالية مع جهات المعارضة والتى أدت الى إندلاع مظاهرات منذ 2015.

ويرصد "النادي الدولى" في النقاط التالية آخر تطورات الوضع في الداخل الإثيوبي:

- بعد إعلان الاستقالة، فرضت السلطات الإثيوبية حالة الطوارئ لمدة 6 أشهر، وسط اضطرابات وأزمات سياسية تضرب البلد الواقع فى منطقة القرن الأفريقى.

- أعلنت الولايات المتحدة رفضها القاطع لفرض حالة الطوارئ، وأصدرت السفارة الأمريكية في إثيوبيا بيانًا أعلنت فيه رفض واشنطن "بقوة" قرار الحكومة الإثيوبية، الذي اعتبرته فرض قيود على الحقوق الأساسية مثل الحق في التجمع وحرية التعبير.

- بدأت التكهنات بأن الجيش الإثيوبي قد يسعى للسيطرة على البلاد بعد فرضه حالة الطوارئ، الأمر الذي جاء رد وزير الدفاع سراج فيغيسا  بإعلانه أن حالة الطوارئ قد تمدد لأشهر أخرى بعد الستة أشهر التي جرى إعلانها سابقا، مؤكدا أن الجيش لن يستولي على السلطة.

- صرح جمادا سوتي، المتحدث باسم "جبهة تحرير الأورورمو الإثيوبية"، إن استقالة رئيس الوزراء، لا تلبي مطالب الشعب الإثيوبي، الذي يطالب باقتسام السلطة وثروات الدولة بالتساوي مع بقية أطياف الشعب، والانتهاء من حالة التهميش التي نعيشها الآن، لأسباب تتعلق بسيطرة الحزب الحاكم الذي يمثل نسبة قليلة من الشعب.

وأضاف سوتي، في تصريحات صحفية، أن مطالب الشعب الإثيوبي ليس تغيير المناصب فقط، بل لابد من تشكيل حكومة انتقالية تمثل كافة قوميات الشعب الإثيوبي، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة، لأن النظام الحالي فقد شرعيته، خاصة أن البلاد تشهد انتفاضة واسعة شملت أقاليم عديدة، والنظام أصبح يسيطر على العاصمة "أديس أبابا" فقط.

- وبعد تطور الأوضاع بهذا الشكل دخلت إثيوبيا مرحلة جديدة من الاضطراب، غير معروف مألاتها حتى الوقت الراهن، فمنذ ما يقرب من العام والنصف، وتشهد أديس أبابا صراعات قوية سقط خلالها  669 قتيلا واعتقال ما يقرب من 21 ألف شخص،  وذلك وفق تقرير المفوضية الإثيوبية لحقوق الإنسان بشأن ضحايا الاحتجاجات المناهضة للسلطة المركزية في أديس أبابا عام 2016.

بداية الأزمة

تعاني أثيوبيا من احتجاجات شعبية منذ نوفمبر 2015 ، حيث بدأت الأحتجاجات في إقليم أوروميا لتمتد في وقت لاحق إلى منطقة أمهرة، وذلك عقب قرار حكومي بتوسيع رقعة العاصمة أديس أبابا ومن ثم مصادرة الأراضي الزراعية المتاخمة لها، حيث تقع تلك الأراضي ضمن أملاك الأورومو الذين يمثلون نسبة 40% من المجتمع الإثيوبي، تليهم القومية الأمهرية بنسبة 25%.

وبدأت الاحتجاجات تجتاح البلاد بسبب حالة التهميش الذي يعاني منها مواطنين الأورومو والأمهرية سواء في الحياة السياسية او المعيشية. وتعد أوروميا وأمهرة موطنين لأكبر جماعتين عرقيتين في البلاد، حيث يتمتع كل إقليم في إثيوبيا بحكم شبه ذاتي وبسلطات واسعة، ويتبع لنظام الكونفدرالية الإثيوبية المكونة من تسعة أقاليم.

وكان يُنظر إلى النظام في إثيوبيا قبل بداية الاحتجاجات الواسعة على أنه نموذج باهر للحكم استطاع إدارة التنوع العرقي والمناطقي، ونجح في إدارة دولة متعددة الإثنيات عبر الفدرالية.

وعلى أثر تلك الاحتجاجات المتواصلة في إقليم أروميا وأمهرا سارعت الحكومة في أكتوبر 2016 إلى إعلان حالة الطوارئ بالمنطقة، ومنعت خروج المواطنين منها، وقطعت شبكة الاتصال وخدمات الإنترنت.

ومع تصعيد الأحداث والأحتجاجات بدأت المطالب الشعبية تزداد ايضًا وبدأ مواطنين إقليم الأرومو يطالبون بأحقيتهم في المشاركة في حكم البلاد، حيث أنهم يمثلون الأغلبية العظمى من السكان، وانضم إلى مطالبهم مواطنين إقليم الأمهرة.

ويحكم ائتلاف "جبهة الشعب الديمقراطية الثورية"  أثيوبيا منذ أكثر من ربع قرن، لكنه يعاني من الضغط الشعبي وعدم القدرة على تلبية احتياجات المواطنين منذ وفاة زعيم الائتلاف ورئيس الحكومة السابق ميليس زيناوي عام 2012. وتسيطر "جبهة تحرير شعب التيجراي" على الائتلاف رغم أن أثنية التيجراي لا تشكل أكثر من 6 % من سكان أثيوبيا الذين يزيد عددهم على 100 مليون نسمة.

إقليم أوروميا:

تحتل منطقة "أوروميا" معظم أراضي وسط إثيوبيا وتتكون من عشرة أقاليم. و"الأورومو" كبرى القوميات الإثيوبية، يمثل المسلمون أغلبيتها الساحقة، وتحتج منذ عشرات السنين بسبب "انتهاك" حقوقها والتمييز الاقتصادي والمجتمعي الذي تمارسه الحكومة ضدها، وتناضل لإنصافها عبر مجموعة من المنظمات بعضها فصائل مسلحة.

ومنذ ستينيات القرن العشرين حاولت جماعات من ناشطي الأورومو إعادة صياغة مفهوم هويتهم الوطنية برفض الهوية الوطنية الإثيوبية "المفروضة على الجميع"، لكن الانشقاقات التي اتسمت بها صفوفهم ساهمت في إضعاف قدرتهم على تحقيق أهدافهم.

وشكلت الأورومو منظمات قومية عديدة منها "جبهة تحرير أورومو الإسلامية"،  و"الرابطة الدولية لشعب الأورومو"، و"جمعية المرأة الأوروموية"، و"شباب مسيرة الأورومو"، لكن أبرز وأكبر هذه المنظمات هي "جبهة تحرير الأورومو" التي نشأت عام 1973، فحققت شعبية عظيمة في مناطق قوميتها. وفي عام 1991 شاركت الجبهة -مع "الجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية الإثيوبية"- في تشكيل حكومة انتقالية للبلاد إثر إسقاط حكم منجستو هيلا مريام.

لكن الجبهة خرجت من التحالف الحاكم إثر انتخابات صيف 1992، وشنت بدءا من 1993 "كفاحا مسلحا" ضد الحكومة ، ولم تشارك في الحكم منذ ذلك التاريخ بل أصبحت تطالب بالحكم الذاتي أو الانفصال.

وبعد ابتعاد جبهة تحرير أورومو عن العملية السياسية أصبحت "المنظمة الديمقراطية لشعب الأورومو" المشاركة في الحكومة هي المسيطر على المقاعد النيابية المخصصة لولاية أوروميا، وأصبحت هذه المنظمة تحتكر بصورة شبه كاملة السلطة السياسية في الولاية منذ 1992.

وتتهم الأورومو السلطات الإثيوبية بأنها تتعمد تكريس سياسة انتشار الفقر والتخلف والجهل ومحاربة التنمية والتطور في مناطقها، مما أدى الى هجرة غالبية سكان الأقليم الى أقاليم أخرى او الى دول خارجية منها لالسودان ومصر والخليج العربي.

وتعاني الأورومو أيضًا من فقدان الحقوق الأساسية كحرية التعبير والحركة والتجارة، وحرية تأسيس الأحزاب والجمعيات، إضافة إلى ما تسميه "المستقبل المجهول" الذي ينتظر أطفالها المحرومين من مقومات الحياة الأساسية من تعليم وصحة.

كما تشتكي هذه القومية من منع السلطات أبناء الأورومو من استخدام لغتهم في التعليم، حيث يُشترط في من يلتحق بالمدارس والجامعات إتقان اللغة الأمهرية التي يرون أنها "لغة استعمارية"، الأمر الذي أدى إلى انتشار الجهل وسط أبناء القومية بنسبة 80%.

ونظمت قومية الأورومو منذ 2001 حملات عدة احتجاجًا على الأوضاع التي تعانيها وسياسة الحكومة المركزية تجاهها، وكان أكبرها تلك التي خرجت في أبريل ومايو 2014، وفي نوفمبر 2015 حيث وقعت اضطرابات في 130 مدينة وخلفت مئة قتيل ومئات الجرحى وآلاف المعتقلين.

كما وجهت كل من منظمة العفو الدولية والمفوضية الدولية لحقوق الإنسان انتقادات حادة ومتكررة في مناسبات مختلفة إلى السلطات الإثيوبية بسبب اضطهادها للأورومو، بينما تصدر منظمة "هيومن رايتس ووتش" منذ 1992 تقارير سنوية عن إثيوبيا تؤكد تدهور أوضاع حقوق الإنسان في مناطق هذه القومية.

-الأمهرية

الأمهرة هم مجموعة عرقية تعيش في وسط مرتفعات الحبشة ويمثلون 25% من عدد السكان الإثيوبيين، ويتبع معظم الأمهريون الديانة المسيحية الأرثوذكسية، ويعتبر اقليم أمهرة من أهم أقاليم إثيوبيا وتوجد به الروافد الرئيسية لنهر النيل، وبحسب الإحصائيات، يعد الأمهريون ثاني أكبر اقليم  في إثيوبيا بعد الأورومو، ويتنامى في أوساط هاتين الإثنيتين في الفترة الأخيرة شعور بالظلم، ويقولون إن المناصب الرئيسية في الحكومة وأجهزة الأمن يتولاها أفراد من التيجرى التي تعد الثالثة. والاحتجاجات الأخيرة التي تشهدها إثيوبيا تعبر عن الشكل الطبيعي لاختلاف القوميات والعرقيات داخل الدولة الإثيوبية.

وبسبب المشاكل المتتالية بين الحكومة الإثيوبية مع إريتريا على الحدود والمناوشات العسكرية المتبادلة بين الجانبين، أكدت الحكومة الإثيوبية أن أي مظاهرات عرقية وإثنية تحركها إريتريا، واتهمت المتظاهرين الأمهريين بأنهم مدعومون من إريتريا بهدف زعزعة الاستقرار.

هذا الاتهام قابله اتهام من جبهة تحرير أمهرة التي تمثل الشعب الأمهري بتنفيذ خطة ممنهجة من قبل الحكومة لتدمير المناطق الأمهرية لتغيير معالم التاريخ الإثيوبي الذي كان يمثل الأمهريون فيه السلطة في جميع مراحله، وأكدت الجبهة في بيان سابق لها أن الحكومة الإثيوبية تسعى لتدمير «بحر دار» عاصمة الإقليم الأمهري من خلال نشر السموم وتحويل الأراضي الزراعية والمنتجعات السياحية إلى مصانع ومدابغ للجلود.

وقالت الجبهة، إن حكومة التجري في أديس أبابا، تسعى للقضاء على شعب الأمهرة وتراثه الحضاري والثقافي من خلال تدمير عاصمته بحر دار العاصمة التاريخية لإمبراطورية الحبشة وإثيوبيا، وأكبر مدينة سياحية في البلاد تضم مزارات دينية وتاريخية.

وطالبت الجبهة منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة «يونسكو» بالتدخل الفوري، وإيقاف مصانع ومدابغ الجلود ومنع الحكومة الإثيوبية من إقامة المزيد من المشروعات في المدينة لحماية التراث الثقافي والحضاري في بحر دار وإنقاذ سكانها من الموت والتشرد، خاصة أنها حصلت على جائزة المنظمة في عام 2002.