بث تجريبي

رئيس مجلس الإدارة د. محمد الباز

رئيس التحرير أحمد الطاهري

رئيس مجلس الإدارة د. محمد الباز
رئيس التحرير أحمد الطاهري

بعد استقالة ديسالين من رئاسة الوزراء ..

الأزمة السياسية في إثيوبيا .. التطورات والنتائج

طباعة

الخميس , 15 فبراير 2018 - 07:10 مساءٍ

في تطورات مفاجئة ودرامية للأزمة السياسية في إثيوبيا ، قدم هايلي ماريم ديسالين رئيس الوزراء الإثيوبي استقالته من منصبه كرئيس للحكومة وكزعيم لحزب "الحركة الديمقراطية لجنوب شعوب إثيوبيا" الحاكم، في ظل مظاهرات وإحتجاجات متكررة بالداخل الإثيوبي.

ورغم أن خطوة إستقالة ديسالين من رئاسة الحكومة الإثيوبية غير معهودة علي النظام السياسي بإثيوبيا كأول إستقالة من نوعها ، لكن اللجنة المركزية للحزب الحاكم بإثيوبيا وافقت علي الإستقالة في محاولة لرأب صدع الإحتجاجات الأخيرة وإحتواء موجة الغضب الداخلي.

لكن السؤال هنا ، هل سيساهم تغيير رئيس الحكومة الإثيوبية في تدارك موجة الغضب الداخلي ووضع إصلاحات مرضية للأحزاب والقبائل المختلفة ؟ خاصة إذا كان اسم رئيس الوزراء القادم سيكون من حزب الحركة الديمقراطية الحاكم الذي قام بالثورة ضد النظام الشيوعى ؟

المفاجأة لم تكن في إستقالة رئيس الوزراء الإثيوبي كسابقة هي الأولي من نوعها ، ولكن في توقيتها وظروفها ، ذلك أن ديسالين الذي تم اختياره رئيسا للوزراء في 2012 من الجنوب خلفا لميلس زيناوي ووصف بإتزانه ورؤاه البعيده ، كما أنها مع موجة إحتجاجية أقل في حدتها من التي واجهتها الأراضي الإثيوبية منذ ثلاثة أعوام ،  وعقب إجراءات بإطلاق سراح مئات من المعارضين والمحتجين استجابة للمتظاهرين !.

 

 

الموقف السياسي حاليا

كل هذه الأبعاد والجوانب التي صاحبة قرار إستقالة ديسالين ، وتدفعنا للنظر بعمق لحقيقة ما يحدث ورصد الأجواء الداخلية هناك .. فرئيس الوزراء الإثيوبي خرج في خطاب للتلفزيون الإثيوبي اليوم الخميس يعلن فيه إستقالته من منصبه كرئيسا للوزراء ورئيسا للائتلاف الحاكم ، وذلك لتسهيل إجراء إصلاحات بعد فترة من الاضطرابات الواسعة.

وقال أن "الاضطرابات والأزمة السياسة أدت لسقوط قتلى ونزوح كثيرين .. وأعتقد أن تقديم استقالتى ضرورى من أجل السعى لتنفيذ إصلاحات من شأنها أن تؤدى للسلام الدائم والديمقراطية".

لكن قبل ذلك ، واجهت إثيوبيا خلال الإسبوعين الماضيين موجة غضب جديدة بخروج مظاهرات واسعة النطاق قام بها طائفة أو قبيلة الأورومو ، وهي أكبر مجموعة عرقية هناك ، في ولايات متفرقة وذلك إحتجاجا علي عدم الإفراج عن سجناء الإحتجاجات التي خرجت منذ عام 2015 ، وصاحبها مواجهات دامية مع قوات الأمن الإثيوبية.

وخلال الأيام الماضية ظهرت أشكال الإحتجاج بقيام الشباب بإغلاق الطرق المؤدية للعاصمة أديس أبابا بالصخور ، وأحرقوا إطارات السيارات وعطلوا شبكات النقل العام وأُغلقت الشركات في جميع أنحاء منطقة أورومو الشاسعة كجزء من الإضراب.

ورغم أن السلطات الإثيوبية قامت بإطلاق سراح قيادات الرابطة الفيدرالية لأقلية الأورومو المعارضة بينهم وأندواليم أراج والصحفي المعارض إيسكينديلا نيجا بعد إضراب عام شهدته منطقة الأورومو، إلا أن الإحتجاجات لم تنتهي وتواصلت لإطلاق سراح باقي المحتجزين.

لكن مكتب النائب العام أعلن الإفراج عن حوالي 647 شخصا ، تضاف لقرارات الحكومة باطلاق سراح الاف المحتجزين تم اعتقال معظمهم قبل 3 سنوات في الاجتجاجات التي اندلعت فى منطقتى أوروميا وأمهرة ، وذلك إستجابة لقرار الحكومة الإثيوبية في يناير الماضي بإطلاق سراح السجناء السياسيين في محاولة لتوسيع التوافق السياسي.

لكن في نفس الوقت رددت تقارير إعلامية أن خلافا قد اشتد في الأيام الأخيرة بين رئيس الوزراء الإثيوبي ديسالين وبين القيادات الأمنية الإثيوبية من جهة وبين المعارضة الإثيوبية من جهة أخري ، وهو ما دفعه لتقديم إستقالته.

 

 

حقيقة الأزمة في إثيوبيا

التطورات السياسية في إثيوبيا ، لا يمكن فصلها بين المواجهات الدامية التي شهدتها الأراضي الإثيوبية خلال عامي 2015و2016 بين متظاهرين من الأورومو وقوات الأمن هناك .

وواقع الأزمة في إثيوبيا معقدة ، وتتشابك تفاصيلها بإرث تاريخي يحكم الأعراق الإثيوبية ، ذلك أن اشتعال الاحتجاجات بهذه الصورة وحدة المواجهات لم يكن وليد اللحظة ، وإنما نتاج موقف من التهميش لإثنيات صاحبة أغلبية شعبية .

خطورة الإحتجات في أثيوبيا أن المواجهة عرقية في الأساس قبل أن تكون سياسية ، بين السلطة الحاكمة والتي تمثل تحالف الأمهرة مع التجراي ، ضد عرق  " الأورومو" ، وخرجت تلك المظاهرات قبل ثلاثة أعوام اعتراضا علي خطة الحكومة لتوسيع العاصمة أديس أبابا علي حساب أراضي إقليم الأورومو المحيط بالمدينة ، وما قد يتبعه من تهجير للمزارعي الأورومو من أراضيهم.

لكن هذا الموقف يعبر عن إرث تاريخي من المشاحنات بين الفصيلة الحاكمة وشعب الأورومو ، فنظام الحكم الإثيوبي برلماني ، والدستور هناك يقسم البلاد لتسعة مناطق حسب الأعراق والقبائل ومناطق تمركزها ، أكبرها الأورومو .

تحالف عرقي التجراي والأمهره الحاكم ، والذي يمثله سياسيا حزب الجبهة الشعبية يمثل نحو 12% من السكان ، ويحتفظ بتواجده القوي والسيطرة علي إدارة شئون الجيش والأمن والاقتصاد هناك وهنا تكمن قوته .

أما إقليم الأورومو يصل عدد سكانه إلي أكثر 30 مليون نسمة ، أي ما يزيد عن 40% من سكان إثيوبيا ، وتصل مساحته لحوالي 600 ألف كيلو متر .. ومعظمه من المسلمين حيث تبلغ نسبة المسلمين من سكانه نحو 80% ، كما يضم مسيحيين .. ورغم ذلك يشكو من التجاهل في الحكم والمناصب العليا في البلاد.

وقبيلة الاورومو لها موقف من بناء سد النهضة ، كما لها امتداد كبير خارج إثيوبيا ، فهي ثاني أكبر قبيلة في إفريقيا ، ولها تواجد بجنوب السودان وكينيا وأوغندا .

ورغم أن خريطة الثروة والحكم في إثيوبيا قائمة منذ تولي الجبهة الشعبية الثورية للحكم بقيادة ميلس زيناوي رئيس الوزراء الاثيوبي الراحل منذ 1995 ، لكن زيناوي المنتمي لعرق " التجراي " استطاع أن يحافظ علي السلطة لحزبه أكثر من 20 عاما ، بفضل خريطة توازنات القبائل والاعراق في الداخل الاثيوبي وأن يحتوي كثير من معاراضتهم.

وهنا التحدي الذي يفرض نفسه مع رئيس الوزراء الحالي ، الذي خلف زيناوي بحكم الدستور ، رغم أنه لا ينتمي لتجمع التجراي العرقي ولكن من أصول اثنية أخري بالجنوب ، وهو أن يحفظ لحزب الجبهة الشعبية الحاكم خريطة التوازنات العرقية والقبلية في الداخل .

خطورة الموقف الداخلي في الاستحقاق الذي يعطيه الدستور الإثيوبي للأعراق الداخلية ، وفقا للمادة ٣٩ من الدستور التي تمنح جميع الأمم والقوميات والشعوب الإثيوبية الحق في تقرير مصيرها بنفسها بما في ذلك الانفصال بشرط موافقة ثلثي البرلمان.

 

 

تقدير موقف حالي

تلك كانت أبعاد الأزمة السياسية في إثيوبيا ، وتطوراتها خلال السنوات الماضية ، وعليه هناك مسارات وسيناريوهات متعددة للوضع السياسي في أديس أبابا ، يمكن تلخيصها في النقاط التالية :

- وفقا للقانون ونظام الحكم الإثيوبي ، فإن البرلمان هو صاحب الحق في قبول الاستقالة من عدمها، وهو من سيختار رئيس الوزراء القادم حال الموافقة النهائية

- رغم أن الإئتلاق الحاكم في إثيوبيا والذي يقوده حزب الحركة الديمقراطية سيكون له اليد الطولي في تسمية رئيس الوزراء القادم خلفا لديسالين ، إلا أن الإضطرابات المتواصلة طوال السنوات الثلاثة الماضية تسببت في خلافات وإنقسامات بين الأحزاب المشكلة لهذا الإئتلاف صاحب الأغلبية بالبرلمان.

- التحدي الأكبر أمام حزب الحركة الديمقراطية ، هو أن يحافظ علي خريطة التوازنات العرقية والقبلية في الداخل بما يضمن له الأغلبية البرلمانية والحق في الحكم ، وأن يختار رئيسا للوزراء يحقق هذا الهدف.

- تواجه إثيوبيا أزمات داخلية خلال السنوات الأخيرة بسبب الأضطرابات الإجتماعية وموجات الجفاف الشديد والتي عطلت خطط تنموية كان قد سعي لتحقيقها " رئيس الوزراء المستقيل ديسالين " ، وعليه فإن مواجهة هذه التحديات أولوية قصوي أمام الحكومة المقبلة لضمان الإستقرار السياسي .

- هناك دعم دولي غربي للحكومة الإثيوبية ، خاصة وأن التوجه الأمريكي يري أن من المصلحة الحفاظ علي الإستقرار في إثيوبيا كداعم للإستقرار في منطقة القرن الإفريقي ، ويبدو ذلك من تصريحات السفير الأمريكي في إثيوبيا، مايكل راينور عن الأحداث الأخيرة والتي دعا فيها المعارضين لألتزام السلمية والحوار وأن يثقوا في السماح لهم بالتعبير عن رأيهم.

- ما يتعلق بالموقف المصري إتجاه تلك التطورات ، فإن الدولة المصرية تتعامل معها باعتباره شأن داخلي ، لا علاقة لها به ، وهو ما أكد عليه الرئيس عبد الفتاح السيسي في أكثر من مناسبة بأن مصر لا تتدخل في شئون الأخرين ، وتقيم علاقاتها علي أساس المصلحة المشتركة وفي إطار سياسة البناء والتنمية .