بث تجريبي

رئيس مجلس الإدارة د. محمد الباز

رئيس التحرير أحمد الطاهري

رئيس مجلس الإدارة د. محمد الباز
رئيس التحرير أحمد الطاهري

دلالات سياسة التهدئة المصرية مع السودان

طباعة

الاثنين , 29 يناير 2018 - 11:57 صباحاً

مصر لا تحارب أشقائها .. تصريح أطلقه الرئيس عبد الفتاح السيسي في مؤتمر حكاية وطن 19 يناير الجاري ، ردا علي تقارير صحفية تم دسها لتسعير الصراع بين مصر ودولتي السودان وإثيوبيا .. تصريح أطلقه الرئيس رغم أن الجانب الآخر كان لا يتحدث ذات اللغة ولا يميل إليها ، بل كانت العبارات قاسية وبعضها عدائي غريب علي العلاقات بين الأشقاء لا سيما بين أبناء الوادي مصر والسودان.

تصريح السيسي كان بمثابة الأرض الممهدة لإطفاء النيران وتخفيف التوتر وعودة الأمور إلي نصابها قبل أن يجتمع الرئيس عبد الفتاح السيسي بالرئيس السوداني عمر البشير علي هامش قمة الإتحاد الإفريقي ثم تشهد أديس أبابا أيضا القمة الثلاثية بين قادة مصر والسودان وإثيوبيا لبحث ما يتعلق بملف سد النهضة الإثيوبي.

 

لماذا التهدئة مع السودان ؟

 

- شخصية رئيس الدولة المصرية الحالية لا تميل إلي العداء الخارجي لاسيما الدول الشقيقة العربية والإفريقية حتي مع الدولة التي أعلنت منذ البداية الوقوف في مقابل مشروع 30 يونيو وهي إمارة قطر بذل الرئيس كل محاولات الصبر عليها بل وراح في أول مقابلة مع أمير قطر تميم بن حمد يقول له :" من فضلك بلغ والدتك عني الاعتذار، لأنني لا أقبل إساءة الإعلام لها ليس إلى سيدة من قطر فقط، وإنما إلى أي سيدة من أي مكان في العالم" – وفق حوار للرئيس مع صحيفة الشرق الأوسط ، وبالتالي تصريح الرئيس تجاه السودان وأسلوب التهدأة هو سياسة واستراتيجية ونمط سياسة خارجية يعتمدها عبد الفتاح السيسي.

- مصر والسودان تُعرف تاريخيا بعلاقات التكامل والترابط وليس الخلاف والتوتر والعداء ، وبالتالي لا يتصور أن ينكسر هذا التابو في منطقة تضم شعب واحد يحكمه سلطتين واحدة في الشمال وأخري في الجنوب.

- يمثل السودان العمق الإستراتيجى الجنوبى لمصر حيث تمتد الحدود المصرية السودانية نحو 1273 كم ، وبالتالي تعتبر مصر العلاقات مع السودان حتمية وكذلك السودان تنظر إلي العلاقات مع مصر بذات النظرة ، كما أن أمن السودان واستقراره يمثلان جزءًا من الأمن القومى المصرى.

- السياسة المصرية تحرص في هذه المرحلة علي إقامة علاقات تتميز بالخصوصية سواء مع دول عربية أو إفريقية أو أجنبية صديقة وبالتالي كان من الضروري أن تحافظ علي الخصوصية المتوفرة في الأساس مع السودان.

- إعلان الرئاسة المصرية عقب لقاء الرئيس السيسي والبشير عن تشكيل لجنة وزارية بين الجانبين للتعامل مع كافة القضايا الثنائية وتجاوز جميع العقبات التي قد تواجهها هو دليل علي حسن النوايا المصرية وأن مواقفها التي اتخذتها وتتخذها بنيت علي أسس لا تخشي النقاش فيها.

- العلاقات التجارية مع السودان هامة وهي الدولة الوحيدة التى لديها قنصلية فى محافظة أسوان مما يدل على نمو حجم التبادل التجارى ، رغم أن تلك القنصلية لا يتوقف دورها عند تقوية العلاقات التجارية والاقتصادية بين الدولتين بل يمتد هذا الدور ليشمل العلاقات فى المجالات المختلفة.

- تشترك مصر والسودان في مصير التحدي الأهم في المنطقة حاليا وهو مكافحة الإرهاب ولا يتصور أن يتم القضاء علي التنظيمات التي تهدد مصير الدولتين إلا بتنسيق شبه يومي أخذا في الاعتبار أن مصر تري أن القضاء علي الإرهاب الوافد من المثلث الجنوبي الغربي أمر لا يحتمل أي خيارات ، أخذا في الإعتبار أنه في فبراير 2014 قام عبد الرحيم محمد حسين وزير الدفاع  السوداني بزيارة إلى مصر التقى خلالها بالمشير عبد الفتاح السيسي القائد العام لقوات المسلحة ، وزير الدفاع والإنتاج الحربي وقتئذاك ، وقد اتفق الوزيران على إنشاء قوة مشتركة لتأمين الحدود بين البلدين، وعقد دورات تدريبية مشتركة، بجانب التعاون في مجالات التسليح، وتبادل الخبرات العسكرية ودعم التعاون الأمني.  

- الجغرافيا والتاريخ والمنطق والعلم وجميع الحسابات تؤكد أن مصر والسودان يحكمهما مصير واحد ونتائج واحدة فيما يتلعق بملف سد النهضة والإثيوبي وليس من المصلحة لأي من البلدين أن يكون لكل منهما موقف في هذا الصدد باعتبارهما دولتي المصب للنهر ، وبالتالي لا يتصور أن تستقيم مساعي كلا البلدين في هذا الشأن إلا بتوحيد المواقف أو علي الأقل تقاربها.

- يبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين حوالي مليار دولار الأمر الذي يمثل تطورًا إيجابيًا وملموساً على صعيد المبادلات التجارية بين البلدين ، ويصل حجم الاستثمارات المصرية في السودان إلى نحو 2.3 مليار دولار، بعدد مشروعات يصل إلى 273 مشروعا ، وفيما يتعلق بالصادرات المصرية إلى السودان تشمل حديد التسليح والأثاثات والسلع الغذائية واللدائن والمنتجات البترولية والأدوية ومصنوعات النحاس، بينما تشمل الواردات المصرية من السودان القطن الخام والسمسم والبذور الزيتية.

- احتلت السودان المرتبة الأولى للصادرات المصرية إلى دول حوض النيل خلال عام 2016 بقيمة 5.6 مليار جنيه مقابل 4.2 مليار جنيه عام 2015 بزيادة قدرها 33.9٪، بحسب بيانات الجهاز المركزي للإحصاء.

 

 

السيسي والسودان

 

في أعقاب توليه السلطة في العام 2014 كانت أول زيارة خارجية للرئيس السيسي هي دولة الجزائر ومنها إلي دولة غينيا للمشاركة في القمة الإفريقية ، ثم كانت زيارته لدولة السودان قبل عودته إلى مصر معبرة عن رؤية مصر لأهمية البلد الشقيق وإبداءً لحسن النوايا من النظام المصري الجديد تجاهه.

وتوالت الزيارات واللقاءات بين الرئيس السيسي والبشير خلال السنوات الأربع الماضية ففى أكتوبر من العام 2014 قام عمر البشير بزيارة لمصر استقبله خلالها الرئيس عبد الفتاح السيسى ، قبل أن يعود مرة أخري للقاهرة في مارس 2015 للمشاركة في مؤتمر دعم وتنمية الاقتصاد المصرى ، كما استقبله الرئيس السيسي في ذات الشهر لحضور القمة العربية في دورتها الـ 26 ، وفي يونيو 2015  قام الرئيس عبد الفتاح السيسي بزيارة السودان للمشاركة في حفل تنصيب الرئيس المنتخب عمر البشير رئيساً للسودان لولاية جديدة وعقب انتهاء مراسم التنصيب عقد اجتماعاً مع الرئيس البشير.

وفي فبراير من العام 2016 قام الرئيس السوداني عمر البشير بزيارة لمصر، للمشاركة فى أعمال منتدى أفريقيا 2016 بشرم الشيخ ،  قبل أن يعود إلي القاهرة في أكتوبر من ذات العام لترأس وفد بلادة فى اعمال اللجنة العليا المشتركة بين مصر والسودان ، وخلال زياته منحه الرئيس عبد الفتاح السيسي وسام "نجمة الشرف" تقديراً لمشاركته بالوحدات العسكرية السودانية التي خدمت على جبهة القتال في حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر 1973.

وفي 10 أكتوبر 2016 قام الرئيس عبد الفتاح السيسي بزيارة للسودان، للمشاركة في الجلسة الختامية للحوار الوطني السوداني، استقبله الرئيس السوداني، ووزراء الخارجية والإعلام والتعاون الدولي بالسودان. وعقد الرئيس السيسي جلسة قصيرة مع رؤساء السودان وموريتانيا وتشاد وأوغندا، على هامش المؤتمر الختامي للحوار الوطني بالسودان.

ومن بين أبرز التصريحات التي يحفظها التاريخ للرئيس السيسي تجاه السودان ما ذكره خلال مؤتمر صحفي مع المستشار النمساوي خلال زيارة الأخير للقاهرة مايو الماضي حين رد السيسي علي مزاعم بشأن دعم مصر لمتمردي دارفور حيث قال :" لم ولن نتآمر على السودان... ولسنا ذيلا لأحد .. مصر لا تقوم بأى إجراءات خسيسة لكن تتعاون من أجل البناء .. سياسات مصر ثابتة ومنهجها عدم التدخل فى شئون الآخرين .. لن تتغير سياساتنا تجاه الأهل والجيران مهما كانت التحديات .. مصر لا ترسل ولا تدعم عناصر فى أى دولة أخرى .. مصر تدير سياسة شريفة فى زمن عز فيه الشرف ".

وترى مصر أن دارفور جزء من السودان ، وتنظر لأبناء الإقليم جميعا سواء من ينتمون منهم إلى جذور عربية أو إلى جذور أفريقية باعتبارهم مواطنين سودانيين ، وليس وفقا للتصنيفات التى قسمت سكان الإقليم إلى عرب وأفارقة ، وصورت الصراع على أنه عربى أفريقى ، وكان موقف مصر منذ اليوم الأول أن القضية بدارفور متشعبة الأسباب ، وأنه لابد من حلول سياسية اقتصادية وتنموية واجتماعية وإنسانية لمعالجة الموقف.

أخيرا .. تواصل مصر تحت قيادة الرئيس السيسي المضي في الثبات علي موقفها بشأن القرار الصادر عن المحكمة الجنائية الدولية باعتقال الرئيس السوداني عمر البشير في مارس 2008 بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بدارفور ، حيث تستمر القاهرة في اتخاذ مع من شأنه تجميد إجراءات المحكمة وتنفيذ المادة 16 من القانون الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لوقف أي إجراء ضد السودان والرئيس البشير مع التأكيد في ذات الوقت علي دعم جهود تحقيق أمن وسلامة السودان وسيادته الوطنية وتحقيق السلام فى دارفور.