بث تجريبي

لماذا دعمت تركيا وقطر نظام الملالي واعتبرتا 30 يونيو انقلاباً ؟!

طباعة

الأحد , 14 يناير 2018 - 09:39 صباحاً

رغم أن مصطلح الربيع العربي بات من أسوأ التعبيرات في أذهان الملايين من قاطني الدول العربية غير أن نفس الملايين لم تتورع عن وصف الأحداث التي تشهدها إيران هذه الآونة بـ " الربيع الإيراني " ، ربما لأن متظاهري إيران يحملون نفس شعارات العيش والحرية والكرامة الإنسانية بعدما عاني الشعب الإيراني من القمع والاستبداد والظلم والقهر والتمييز وتراجع معدلات النمو وزيادة أعداد البطالة والفقراء ، وربما أطلقت الشعوب العربية وصف " الربيع الإيراني " علي أحداث إيران رغبة وأملا في أن تلقي إيران ذات مصير ما آلت إليه دول الربيع من ويلات زرعتها قوي خارجية كانت علي رأسها إيران لا سيما في دولتي سوريا واليمن.

وبينما كانت الأحدث تزداد لهيبا داخل إيران لم تكن سياسات الدول إزاء تلك الأحداث أقل سخونة ، حيث صعدت الولايات المتحدة وأوروبا وعقد مجلس الأمن جلسة خاصة لتناول المشهد الإيراني ، لكن كل هذه المواقف يمكن تفهمها أو وضعها داخل إطارها أما ما يجب الإلتفات إليه ( مصريا ) هو موقف دولتي تركيا وقطر من تلك الأحداث.

تركيا وقطر في الميزان المصري

 

 

تركيا وقطر هما الدولتان اللتان لم تتوقفا عن عداء الدولة المصرية منذ ما قبل 2011 مرورا بأحداث يناير ثم دفع جماعة الإخوان إلي سدة الحكم وصولا إلي موقف كلا الدولتين من ثورة 30 يونيو 2013 وما تلا ذلك من أعمال عدائية ودعم للجماعات المتطرفة وإيواء عناصر إرهابية مصرية.

في 2011 كانت مصر علي موعد مع انتفاضة ثورية علي الرئيس الأسبق حسني مبارك. وقتها قال رجب طيب أردوغان رئيس الوزراء التركي آنذاك ( إن على الرئيس المصري حسني مبارك الإصغاء لمطالب شعبه مع تواصل الاحتجاجات الحاشدة في مصر ضد حكمه المستمر منذ 30 عاما .. كلنا سنموت وسنسأل عما تركناه وراءنا .. نحن كمسلمين سنوضع في حفرة مساحتها لا تزيد على مترين مكعبين ".

وعقب الإطاحة بالرئيس الأسبق حسني مبارك بدأت اليد الطولي للأتراك تعيث في أرض مصر حتي دفعت جماعة الإخوان التي كانت قبل أشهر من يناير 2011 مصنفة كجماعة إرهابية إلي سدة الحكم لتتحول تركيا من مساند لجماعة تطمح في الحكم إلي دولة تفرض الوصاية علي مصر لمدة عام بالشراكة مع واحدة من أصغر دول العالم " قطر " ، حتي قامت ثورة 30 يونيو 2013 فكان من الطبيعي أن يعلن رجب طيب أردوغان أن ما جري في مصر انقلابا عسكريا وأن تركيا لا تحترم من لا يحترم سيادة الشعوب.

 

 

 

من هنا وبعد تجربة تركية في مصر في 2011 و 2013 ظن البعض أن الموقف التركي من الأحداث الإيرانية سوف تكون مشابهة إلي حد كبير غير أن تلك النظرة السطحية والظنون التي لا تبني إلا علي المبادئ قد انهارت أمام لغة المصالح وتكشف الوجه التركي وصدرت تصريحات رسمية تركية مع بدء تلك الاحتجاجات بأن أسبابها ليست كلها داخلية ، وإنما هناك تدخلاً خارجياً.

ولم تكن قطر بعيدة عن النهج التركي في التعامل مع الأوضاع في مصر منذ 2011 وحتي اليوم حيث يجمع الدوحة وأنقرة أدبيات التنظيم الدولي لجماعة الإخوان الإرهابية ومن ثم تسير السياسات وفق نهج واحد.

الدوحة التي رفعت شعارات الحرية والديمقراطية في مصر كستار لدعم الإرهاب وجماعات التطرف ، نٌقل عنها داخل إيران أن أميرها تعهد بدفع مليارى دولار بصورة عاجلة لإخماد التظاهرات الأعنف في إيران منذ سنوات.

كما تسابق مقدموا قناة الجزيرة القطرية في التقليل من حجم تلك التظاهرات تارة وتجاهلها بالمرة تارة أخري ، بل وإذاعة مشاهد للمتظاهرين المناوئين لحكم الملالي علي أنها تظاهرات تأييد.

وبعد هذا السرد الواقعي تبقي الإجابة ضرورية علي السؤال الذي يبدو محيرا وهو ، لماذا دعمت تركيا وقطر نظام الملالي ووصفت 30 يونيو بالإنقلاب؟!

قبل التطرق إلي تفاصيل الإجابة علي هذا السؤال لابد من إعادة الإشارة إلي مسلمات من أهمها أن تركيا وقطر الضلعان الأبرزان في التنظيم الدولي لجماعة الإخوان الإرهابية في العالم ، وأن تركيا لديها أطماع واضحة في الوطن العربي ، وأن قطر لديها عداء تاريخي مع مصر يرجع إلي أسباب متعددة بعضها نفسي لدي قادة الإمارة الخليجية الذي يشعرون بالضآلة أمام دولة بحجم مصر وبعضها سياسي يتعلق بالدور الذي تنفذه الدوحة بالوكالة للضغط علي مصر وتنفيذ سياسات كان هدفها الرئيسي تأمين عملية زراعة العضو الخبيث في المنطقة ( إسرائيل ) ، وبالتالي فإن من المسلمات أن أنقرة والدوحة تنفذان سياسات بعيدا عن المبادئ والشعارات التي من بينها الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية وإلا ما كانت كلا الدولتين قد دعمتا متظاهري مصر في 2011 ووقفتا ضدهم في 2013 وما كانت قد وقفت كلا من الدوحة وأنقرة حاليا في وجه متظاهري إيران أيضا.

 

لماذا تدعم تركيا نظام إيران ؟! 

 

 

 

- دعمت تركيا إيران رغم علاقة المد والجزر بينهما لأن استقرار الأخيرة كدولة جارة كبيرة ومؤثرة أمر هام لأنقرة في ظل الأوضاع الأكثر سخونه علي جميع حدودها وبالتالي لا تأمل في فتح مزيد من أبواب التوتر علي حدودها.

- من مصلحة النظام التركي عدم قيام ثورات أو تغيرات في الأنظمة علي حدوده القريبة حيث أن التجربة قد أثبتت خلال السنوات القليلة الماضية أن تصدير الثورات والاحتجاجات عبر الدول المتجاورة قد بات أمر سهل الحدوث وقد يبدأ يسيرا وينتهي بإزاحة نظام راسخ ، لا سيما أن أنقرة شهدت موجة احتجاجات شبيهة في مايو 2013 ، كما أنها لم تتخلص بعد من آثار محاولة الانقلاب الفاشلة العام قبل الماضي.

- سقوط نظام إيران في ظل الأوضاع الراهنة يعني تغير تام في خريطة النفوذ بالوطن العربي وسقوط أحد العناصر الإقليمية التي تقتسم هذا النفوذ ومن ثم قد تتكرر التجربة مع تركيا التي تعبث في العالم العربي من خلال عدة أذرع وأنظمة سياسية.

- تشتبك إيران وتركيا سياسيا في عدة ملفات تجعل استمرار التنسيق بين نظامي أنقرة وطهران أمرا هاما ، ومن بين هذه الملفات التعامل مع أزمة مقاطعة قطر والأوضاع بكردستان العراق حيث صدرت تصريحات رسمية إيرانية تؤكد عدم استبعاد القيام بعملية عسكرية مشتركة في الإقليم ما يعني قوة التنسيق ومتانته ، كما أن هناك ملف آخر يفرض التنسيق بين تركيا وإيران وهو الملف السوري وتداعياته علي الأوضاع الأمنية في تركيا.

- لم يكن للرئيس التركي ألا يرد الجميل إلي الحكومة الإيرانية التي دعمته في مواجهة محاولة الإنقلاب الفاشلة عليه العام قبل الماضي ، فمع أول الأخبار الواردة من تركيا بوجود محاولة انقلاب عسكري على حكومة أردوغان ، اجتمع مجلس الأمن الأعلى الإيراني لمناقشة آخر التطورات في تركيا ، وترأس الاجتماع الرئيس حسن روحاني وأجرى اتصالا هاتفيا مع أردوغان قائلا : " يجب أن نضع أيدينا بيد بعض ".

- لم تنجح تركيا خلال الفترة الماضية في جذب انتباه المملكة العربية السعودية وتشكيل تحالف استراتيجي كامل ، ورغم الاحتفاظ بعلاقات ظاهرية مع الرياض إلا أن نظام أردوغان أقام خلال العامين الماضيين علاقات متطورة مع الخصم اللدود للملكة ودول الخليج.

- سقوط النظام الإيراني يعني مباشرة تدخل خارجي وبزوغ قوي داخلية إيرانية مضطهدة دينيا ومذهبيا وهو ما قد ينذر بانفجار سوريا أو يمن جديد علي الحدود التركية .

- تدرك أنقرة أن انهيار إيران يعني تعطل الميزان التجاري بين البلدين حيث تبلغ قيمته نحو 9 مليارات دولار ، ويرغب الطرفان في ايصاله إلى 30 مليار دولار.

- تستورد تركيا سنوياً عشرة مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي من إيران أي ما يعادل خمس احتياجاتها السنوية.

 

لماذا تدعم قطر نظام إيران ؟!

 

 

- قطر تنظر إلي النظام الإيراني باعتباره أحد أهم أركان دعم الحكم في الدوحة واللاعب الإقليمي التي تلوح به قطر في وجه أشقائها العرب.

- تنظر الدوحة أيضا إلي إيران باعتبارها المنقذ الوحيد في ظل استمرار المقاطعة العربية لها نتيجة سياساتها الداعمة للإرهاب في المنطقة.

- تعتبر إيران بالنسبة لقطر شريكا اقتصاديا هاما حيث تزايدت الاستثمارات الإيرانية في قطر خلال العام الماضي ، فضلا عن إعلان قبل نحو أسبوعين بأن البلدين يتعزمان زيادة حجم التبادل التجاري من أقل من ملياري دولار إلي خمسة مليارات دولار أي بنحو بخمسة أضعاف ، وبلغ حجم صادرات إيران لقطر خلال الأشهر السبعة الماضية فقط ما يزيد عن 100 مليون دولار.

- لم تعد قطر تخفي التنسيق الذي تقوم به مع إيران فيما يتعلق بالأزمة في اليمن ودعم جماعة الحوثيين في مواجهة الشرعية ، وباتت قطر تجهر بخيانتها للتحالف العربي في تلك القضية ، ولم يعد أمر غريبا ما دأبت عليه مؤخرا قناة الجزيرة القطرية من استضافة قيادات حوثية تهاجم دول الخليج وتسب الحكام العرب.

- جزء كبير من نفط قطر من حقل غاز الشمال مرتبط بإيران ويصنف هذا الحقل كأكبر حقل غاز في العالم و يضم 50.97 تريليون متر مكعب من الغاز ، وتبلغ مساحته نحو 9,700 كيلومتر مربع منها 6,000 في مياه قطر الإقليمية و3,700 في المياه الإيرانية ، وتنتج قطر 6500 مليون متر مكعب من الغاز يوميًا من حصتها في هذا الحقل وتنتج إيران 430 مليون مترًا مكعبًا.

- لم يكن التقارب الحالي بين قطر وإيران هو الأول حيث كان أمير قطر السابق حمد بن خليفة آل ثاني أو حاكم خليجي يزور طهران بعد الإطاحة بحكم الشاه ، وكانت قطر العضو الوحيد في مجلس الأمن من 15 عضواً الذي صوت ضد القرار رقم 1696 والذي طالب إيران بوقف العمل في برنامجها النووي ، وفي عام 2007 قامت قطر بتوجيه دعوة رسمية للرئيس الإيراني أحمدي نجاد لحضور مؤتمر قمة الخليج الثامنة والعشرين في الدوحة كضيف شرف .

- في عام 2013 لجأت الدوحة إلى القوات الإيرانيةلتدريب خفر السواحل القطرية كما قامت الدولتين بمناورات مشتركة.

- في عام 2015 تم توقيع اتفاقية أمنية وعسكرية بين إيران وقطر تحت مسمى "مكافحة الإرهاب والتصدي للعناصر المخلة بالأمن فى المنطقة".

- في أكتوبر 2015 زار قائد حرس الحدود الإيراني قاسم رضائي الدوحة وتم توقيع اتفاقية تعاون لـ"حماية الحدود المشتركة" بين البلدين وتعزيز التعاون الأمني لأول مرة بين "الحرس الثوري والجيش القطرى" ومنذ تلك اللحظة وهناك تدريبات دورية للقوات القطرية علي أيدي الحرس الثوري الإيراني.

- قطر تلعب دورا كبيرا في دعم حزب الله اللبناني الموالي لإيران ، وكذلك جمعية الوفاق البحرينية الشيعية التي اكشتفت اتصالاتها بالدوحة خلال الفترة الوجيزة الماضية.

 

 

الخلاصة

على الرغم من التباين الظاهري بين كل من إيران وقطر وأيران وتركيا إلا أن الظروف السياسية والأدوار التي تنفذها الدول الثلاث في المنطقة جعلت من التنسيق المشترك فيما بينهم أمرا واجبا بل وحتميا لضمان أمن الأنظمة بالدول الثلاث ، ولضمان استمرار السياسات الخارجية الأمنية والعسكرية وفق ما رسمته تلك الأنظمة.

وبالتالي لم يكن وقوف هذه الأنظمة يوما ما لصالح أي انتفاضة أو احتجاجات دعما لأصحابها بقدر ما هو دعم لمصالح وأهداف تلك الأنظمة التي توهجت بعد 2011 ثم سرعان ما انطفأت في 2013 ليس في مصر فقط بل في الشرق الأوسط أخذا في الاعتبار أن مشروعا كبيرا قد أوقفه الشعب المصري بثورته في 30 يونيو من ذلك العام.

رئيس مجلس الإدارة د. محمد الباز
رئيس التحرير أحمد الطاهري