بث تجريبي

رئيس مجلس الإدارة د. محمد الباز

رئيس التحرير أحمد الطاهري

رئيس مجلس الإدارة د. محمد الباز
رئيس التحرير أحمد الطاهري

قراءة في أيديولوجية الحرس الثوري الإيراني وتعامله مع الاحتجاجات

طباعة

الأربعاء , 03 يناير 2018 - 11:26 مساءٍ

شاب دور الحرس الثوري الإيراني الغموض في اليوم الأول للتظاهرات التي اندلعت في مدينة مشهد وصولا لكرمانشاه قبل أسبوع، ومع اتساع رقعة الاحتجاجات ووصولها إلى العاصمة طهران بدأ الحرس بإصدار بيانات تتحدث عن موقفهم من الأوضاع التي تشهدها الشارع.

موقف الحرس أخذ منحنى تصاعدي في لهجة الخطاب الإعلامي، فبدأ  بمطالبة الشعب الإيراني بتعزيز الوحدة واليقطة والوعي الوطني لإحباط مؤامرات الأعداء ثم الحديث عن مساعي لقلب نظام الحكم، إلى أن أعلن في اليوم السابع للاحتجاجات على لسان قائدة محمد علي جعفري انتهاء ما أسماه بـ "فتنة 2017".

المتابع للمشهد يرى أن أعداد القتلى والمعتقلين البالغة 20 قتيلا و450 معتقلا خلال أسبوع، هي حصيلة ليست كبيرة مقارنة بالتظاهرات في البلدان العربية التي اندلعت عام 2011، وهو ما يدلل على عدم الأفراط في استخدام العنف تجاه المواطنين من قبل قوات الباسيج (التعبئة) التابعة للحرس.

وللوقوف أكثر على دور الحرس الثوري الجيش الثاني في إيران من حيث العدد، والأقوى تأثيرا على الأرض داخليا وخارجيا بشكل اقتصادي وعسكري وأمني، كان علينا القاء نظره سريعة على توصيف الحرس ودوره المنوط به وفق ما جاء في الدستور ومن ثم تناول مواقفه من الاحتجاجات وطبيعة تعامله معها.

الدستور والحرس

الدستور الإيراني المعدل في نسخته المعدله عام 1989 خص المادتين 150 و 151 للحديث عن الحرس وجاءت كالتالي:

المادة 150

نص المادة: "تبقى قوات حرس الثورة الإسلامية، التي تأسست في الأيام الأولى لانتصار هذه الثورة، راسخه ثابتة من أجل أداء دورها في حراسة الثورة ومكاسبها، ويحدد القانون وظائف هذه القوات ونطاق مسؤولتها بالمقارنة مع وظائف ومسؤوليات القوات المسلحة الأخرى مع التأكيد على التعاون والتنسيق الأخوي فيما بينها".

المادة 151

نص المادة: "تتحمل الحكومة مسؤولية إعداد البرامج، والإمكانيات اللازمة للتدريب العسكري لجميع أفراد الشعب، وفقا للموازين الإسلامية، بحيث يكون لجميعهم القدرة على الدفاع المسلح عن البلاد، وعن نظام جمهورية إيران الإسلامية، إلا أن حيازة الأسلحة يجب أن تكون بإذن السلطات المسؤولة".

ما معنى ذلك.. المادة 150 تتحدث عن فصل وظائف قوات الحرس الثوي عن الجيش وفق القانون مع التعاون، أي جيشين متوازيين يعمل كل منها لحماية البلاد، أما المادة 151 تأهيل الشعب عسكريا للدفاع المسلح عن الجمهورية الإسلامية وفق السلطات المسؤولة، أي الحرس الثوري بأجنحته لأنه المعني في المقام الأول بحماية النظام الديني، وهو ما ترتب عليه وجود فيلق القدس بقيادة قاسم سليماني وقوات البسيج المنقسمة إلى شقين عسكري ومدني عسكري.

والسبب وراء تأسيس الحرس نابعة من إدراك الخميني بأن النظام الإسلامي للبلاد الذي وضعه في 1979 بحاجه لقوة تعمل على حمايته وتعزز من قدرته في الداخل، الأمر الذي دفع رجال الدين لإيجاد قانون جديد يغطي كلا من القوات العسكرية النظامية، وتناط بها مهمة الدفاع عن حدود البلاد، وحفظ الأمن الداخلي، وقوات الحرس الثوري، المكلفة بحماية النظام الإسلامي للبلاد.

لكن مع استمرار النظام الإسلامي في إيران ازداد دور الحرس ليتداخل في أمور اقتصادية: مثل امتلاك شركات كبرى تعمل في العديد من المجالات كالغاز والبني التحتية والكهرباء، وعسكرية: كتصنيع صواريخ باليستية وتعزيز القدرات البحرية والجوية.

اليوم الثاني للاحتجاجات

- دعا الحرس الثوري الإيرانيين في بيان له إلى "تعزيز الوحدة واليقظة والوعي الوطني لإحباط مؤامرات الأعداء".

وشدد البيان على أنه "بعد مضي 8 سنوات من فتنة عام 2009 (الثورة الخضراء)، فإن إعادة قراءة الدروس والعبر لهذا الحدث الهام والمؤثر يعد أحد المتطلبات الضرورية في مسيرة تكامل الثورة وتقدم الشعب الإيراني، وفي حالة التغافل عنها يجب توقع ظهور مؤامرات وفتن أكثر تعقيدا ضد النظام والوطن الإسلامي.

ووصف البيان "الظروف الراهنة بأنها خطيرة، رغم استمرار الجبهة المتحدة بالتنوير ضد العناصر المعادية للثورة في الداخل والخارج".

هذا البيان جاء بالتزامن مع إطلاق الحرس الثوري - القادر على الحشد الجماهيري عبر قوات البسيج (التعبئة) التابعة له- لتظاهرات مؤيدة للنظام الحاكم، ويأخذ في 3 أطر الأول: محاولاته لشق صف الجماهير في الشارع في أول تحرك له بعد دراسة المشهد التصاعدي في الشارع، الثاني: تذكير الشارع بمصير من خرجوا في تظاهرات الحركة الخضراء عام 2009 والتي انتهت بوضع قيادات الحركة وقيادات المسيرات خلف السجون، الثالث: ترهيب المشاهد من ما يجري على الأرض باعتباره جزء من المؤامرة الخارجية على البلاد.

اليوم الثالث للاحتجاجات

في اليوم الثالث للاحتجاجات أعلن الحرس الثوري الإيراني أن الأعداء ومنذ انتصار الثورة الإسلامية يسعون بكل الحجج والأساليب إلى قلب النظام وما زالوا يواصلون هذا الهدف.

وأكد الحرس أن ما وصفهم بالأعداء يؤمنون بأن الثورة الإسلامية يمكن أن تشكل نموذجا تستلهم منه جميع شعوب العالم ما يفشل مخططاتهم ومن هنا فقد وضعوا قلب نظام الجمهورية الإسلامية في نصب أعينهم، وأن هذا الأمر قد أعلنه أعداء الثورة صراحة بعد انتخاب الرئيس الأمريكي الأخير، في إشارة إلى دونالد ترامب.

وأوضح البيان أن "الثورة الإسلامية تواجه أعداء أقوياء سعوا منذ بداية الثورة إلى دق إسفين بين النظام السياسي والحكومة والشعب الإيراني".

هذا البيان يقرأ في نقطيتين الأولى: استمرار الحرس الثوري في اللعب على الورقة الوطنية للشعب الإيراني المتمثلة في وجود أعداء للوطن يحاولون تحطيم النموذج الإسلامي (الذي انتقدته تظاهرات الشارع) لخشيتهم من انتشاره خارج البلاد في إشارة للتوسعات الإيرانية في سوريا والعراق واليمن ولبنان، الثاني: أن الولايات المتحدة ورئيسها يستهدفون النظام ويحاولون تدمير البلاد والتفرقة بين الشعب والسلطة الحاكمة.

اليوم الرابع للاحتجاجات

أعلن الحرس الثوري الإيراني، في اليوم الرابع للاحتجاجات، أنه "لا حاجة حتى الآن" للتدخل في الاحتجاجات المناهضة للحكومة، متهما دولة عربية بالوقوف وراء الاضطرابات في الشارع، فيما قال المتحدث الرسمي باسم الحرس الثوري، العميد رمضان شريف، في تصريحات صحفية: "الاحتجاجات أصغر من أن يتدخل الحرس لفضها".

وأضاف شريف: "قوات الباسيج تدخلت في بعض المدن لمساعدة قوات الأمن والشرطة.. لكن لا نرى حاجة حاليا لتدخل الحرس الثوري".

توصيف هذا التصريح يأتي في 3 اطر الأول الاعتراف بتدخل قوات الباسيج لفض التظاهرات واعتقال المتظاهرين والثاني التحذير من تدخل قوات البسيج اذا لزم الأمر في إشارة للمتظاهرين، والثالث اتهام دولة عربية وراء دعم المتظاهرين، تلك الأطر لم تخرج خارج إطار الاتهام والتخوين ولكن قد تحدث نوع من التراجع في التظاهرات لإدراكمهم قوة الحرس الثوري على الأرض.

اليوم السابع للاحتجاجات

أعلن قائد الحرس الثوري الإيراني، محمد علي جعفري، هزيمة ما وصفه بخطة فتنة 2017، في إشارة إلى الاحتجاجات، التي اندلعت في المدن الإيرانية وخلفت عشرات القتلى والجرحى.

وقال جعفري، إن "الأعداء لا يمكنهم  تهديد إيران عسكريا، لذلك يعملون على تهديدها من الناحية الثقافية والاقتصادية".

وأضاف الجعفري أن استعداد إيران الأمني ساعد في هزيمة ما وصفهم بالأعداء لافتا إلى أن إيران لو كانت تعيش ظروف بلدان أخرى لكانت الخسائر لا تعوض، مؤكدا على تدخل الحرس لفض الاحتجاجات في محافظات أصفهان و لورستان و همدان.

وأشار قائد الحرس الثوري إلى أن عدد المتظاهرين كان قليلا، ولم يتجاوز في كل إيران وفي ذروة الاحتجاجات  15 ألف متظاهر.

وقال جعفري إن الكثير من مثيري الشغب تدربوا على أيدي منظمة مجاهدي خلق الارهابية حيث تم اعتقالهم وسنتعامل معهم بحزم.

بهذا التصريح أراد الحرس الثوري إسدال الستار على التظاهرات بعد مرور أسبوع على اندلاعها بايصال مجموعة من الرسائل سياسية وعسكرية ونفسية جاءت على النحور التالي:

- تدخل الحرس في بعض المدن أدى إلى انتهاء التظاهرات في الشارع، أي أن الحرس قادر على حسم الموقف على الأرض.

-المحاولات الخارجية كانت أضعف من قوة الحرس عسكريا ولم تشكل أي تهديد للنظام وفشلت.

-الدولة الإيرانية متماسكة وليست كدول الربيع العربي حتى تؤثر فيها مظاهرات كما حدث في 2011.

-عدد المتظاهرين كان قليلا ما له من أثر نفسي على المتظاهرين والمتعاطفين والمتابعين للمشهد.

-مثيري الشغب تدربوا على أيدي منظمة مجاهدي خلق المعروفة داخليا بأنها إرهابية ومرفوضة شعبية وأنه أيضا تم القاء القبض عليهم والزج بهم في السجن.

تعامل الحرس مع التظاهرات يأخذنا إلى مجموعة من الاستنتاجات:

-الحرس الذي جاء من الشارع عن طريق التظاهرات عام 1979 قادر على التعامل مع التظاهرات نفسيا وعسكريا وسياسيا.

-الخطاب السياسي للحرس مدروس بعناية ودقة يدرك كيفية إيصال كل كلمة للأنصار والخصوم.

-دخول الحرس للمشهد ساهم في تراجع التظاهرات بشكل نسبي وان كانت لم تنتهي كليا لكن سيتمكن الحرس من إخمادها الأيام القليلة المقبلة.

-  الحرس يستطيع السيطرة على الأوضاع داخليا من خلال فصائلة كالبسيج وغيرها.