بث تجريبي

رئيس مجلس الإدارة د. محمد الباز

رئيس التحرير أحمد الطاهري

رئيس مجلس الإدارة د. محمد الباز
رئيس التحرير أحمد الطاهري

أهداف وتوقيت زيارة أردوغان للخرطوم

التقارب السوداني التركي .. هل يأتي علي حساب مصر ؟

طباعة

الاثنين , 25 ديسمبر 2017 - 03:25 مساءٍ

إحتفاء كبير من الجانب السوداني بزيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للخرطوم التي بدأت أمس الأحد لمدة يومين ، حفاوة عكستها وسائل الإعلام والصحف السودانية التي تصدرت الزيارة عناوينها الرئيسية مرحبة بالرئيس التركي ، في ظل تحديات صعبة يمر بها السودان داخليا ومساعي للبشير لتعديل الدستور لإعادة إنتخابه .

وتتجه الأنظار لزيارة أردوغان الذي اصطحب معه وفدا يضم نحو 200 رجل أعمال ضمن جولة إفريقية له ، حيث شهد مع نظيره السوداني عقب المباحثات معهما بالخرطوم أمس التوقيع علي 12 إتفاقية مشتركة.

وقائع زيارة الرئيس التركي للخرطوم يجب النظر لها في إطار أبعد من العلاقات الثنائية بين البلدين ، ذلك أن حكم التوقيت ودوافع الإرتقاء بالعلاقات السودانية التركية في ظل الظروف التي تمر بها المنطقة ، أمر يطرح علامات إستفها كثيرة يجب التوقف أمامها.

 

أبعاد زيارة أردوغان

زيارة أردوغان هي الأولي من نوعها لرئيس تركي للسودان منذ إعلان إستقلال السودان عام 1956 ، لكنه سبق وأن زار الخرطوم في 2006 وقت أن كان رئيسا لوزراء تركيا.

اعتبرت الخرطوم الزيارة تأتي في إطار تعميق العلاقات الأخوية المتطوّرة بين البلدين، والتي ترتكز على روابط تاريخية وثقافية واجتماعية عميقة الجذور، ولتعزيز الشراكات الاقتصادية والتجارية القائمة بين البلدين ، ورأت أن اصطحاب أردوغان لوفد إقتصادي يضم 200 رجل أعمال من شأنه يعزز العلاقات الاقتصادية ويدعم الاقتصاد السوداني الذي يواجه تحديات عدة.

لكن اللافت كان في التصريحات الرسمية للمسئولين في الخرطوم عن زيارة أردوغان كما يلي ، حيث اعتبر وزير الخارجية السوداني، إبراهيم غندور، زيارة الرئيس التركي لبلاده، " زيارة تحمل دلالات سياسية "، إلى جانب التعاون الاقتصادي والتجاري والإرتقاء بالعلاقات لمستوي إستراتيجي .

وقال الغندور قبل وصول أردوغان أن توقيت الزيارة يحمل مغزى سياسيا، لأن الأمة العربية والإسلامية تمر بظروف تلعب فيها تركيا دورا كبيرا، علي حد وصفه !!.

لكن في المقابل كانت تصريحات السفير التركي لدي السودان عرفان نذير أوغلو، اعتبر أن الزيارة مهمة من ناحية العلاقات الثنائية والتجارية بين البلدين ، مشيرا إلي أن وقت زيارة أردوغان للخرطوم في 2006 كرئيس وزراء، كان الحجم التجاري بين البلدين 156 مليون دولار فقط ، واتفق الجانبين علي رفع حجم التبادل التجاري إلي نصف مليار دولار، وهو ما تم فيما بعد .

 

توقيت الزيارة

لا يمكن فصل زيارة أردوغان للخرطوم عن مجموعة من التطورات الداخلية علي الساحة السودانية والتطورات في المنطقة ، ولعل أبرزها الموقف الخاص بالعلاقات المصرية السودانية وحالة الجمود الأخير في العلاقات ، خاصة بعد إثارة الخرطوم قضية حلايب بالأمم المتحدة.

وتوضيحا نتوقف مع أبرز هذه التطورات :

- تتزامن الزيارة مع تطورات في الشارع السياسي السوداني ، وخاصة المساعي الخاصة بالرئيس السوداني عمر البشير لحشد أنصاره في حزب المؤتمر الوطني لتأهية الأجواء شعبيا لتعديل الدستور بما يسمح له للترشح مرة أخري كرئيسا للسودان في انتخابات 2020 ، والتراجع عن الوعد الذي أعلن عنه في انتخابات 2015 ، بأنها ستكون أخر إنتخابات رئاسية يخوضها.. وهو ما يعكس بحث النظام السوداني عن مساندة من قوي إقليمية لتلك الخطوات الداخلية .

- يواجه النظام السوداني أزمة إقتصادية داخلية ، خاصة مع مناقشة البرلمان لمشروع الموازنة الجديدة 2018 والتي تواجه عجز يقدر بأكثر من 28 مليار جنيه سوداني في ظل تراجع مؤشرات الاداء الاقتصادي وزيارة التضخم بسبب تراجع سعر الجنية السوداني بالنسبة للدولار.

وفي ظل تفاقم الأزمة الإقتصادية تبحث الخرطوم عن عن موارد جديدة للإقتصاد وتمويل لبرامجه خاصة من تركيا وقطر ، في الوقت الذي ظهرت أصوات وأقلام بالخرطوم تنتقد الاستثمارات العربية في السودان وتعتبرها غير مجدية وأنها لم تفيد السودان في شىء رغم أن الخرطوم كانت تراهن عليها في ظل العزلة الدولية ومن مؤسسات التمويل الدولية بسبب موقف البشير والجنائية الدولية .

- تأتي زيارة أردوغان في ظل محاولات من الجانب السوداني للتقارب مع روسيا ، وبدي ذلك في إتجاه الخرطوم لإبرام اتفاقيات اقتصادية مع روسيا منها توقيع اتفاقيات مذكرة تفاهيم واتفاقية لإنشاء محطة للطاقة النووية للأغراض السلمية، والبدء في تنفيذ جميع الاتفاقيات مع الجانب الروسي في مطلع العام 2018 .

- تأتي الزيارة ضمن جولة إفريقية لأردوغان تشمل تشاد أيضا ، وتأتي بعد أيام لجولة إفريقية لأمير قطر تميم بن حمد لستة دول بغرب القارة الإفريقية ، وهي دول ترتبط معها مصر بمصالح وتمثل بعد مهم للمصالح المصرية بإفريقيا .

- تأتي الزيارة في ظل تصعيد سوداني ، غير مبرر ، مع مصر وهجوم ممنهج من الخرطوم علي القاهرة تستخدم فيه قضية حلايب وإثارتها بالأمم المتحدة وتكرار الإدعاء أنها تتبع السودان ، رغم أن الرؤية المصرية التي لم تتغير تري أن العلاقات مع السودان إستراتجية ولا غني عنها وأنها جزء مهم من الأمني المائي والجنوبي لمصر.

 

الموقف من مصر

ما يثير الإنتباه في زيارة أردوغان للسودان ، محاولة الخرطوم إظهار الزيارة وكأنها تأتي من باب " المكايدة " السياسية للقاهرة ، وبدي ذلك في معالجات إعلامية لصحف مثل صحيفة " الراكوبة " التي عنونت تقريرا عن الزيارة قائلة (تنديد مصري بزيارة اردوغان للسودان) ، وذلك رغم عدم صدور تصريح رسمي من مصر حول الزيارة.

لكن الصحيفة إستندت في التقرير إلي نشطاء مصريون حيث قالت ( وندد نشطاء مصريون بالزيارة، واعتبروها تمهيداً لتقارب بين إسلاميي السودان وتركيا، لزعزعة استقرار المنطقة ).

لكن ما يجب التوقف معه وذكرته تلك الصحيفة أن تركيا والسودان عارضا ثورة 30 يونيو التي أطاحت بحكم الإخوان ، وهذا قد يفسر الموقف السوداني المعارض للقيادة السياسية في مصر الأن ، ومساعي تركيا الدائمة لضرب الإستقرار في مصر ودعم الإرهاب بالداخل المصري.

الأمر الأخر هو تصريح وزير الخارجية السوداني الذي اعتبر أن للزيارة أهداف سياسية ، في ظل التطورات الأخيرة بالمنطقة .. لكن حتي لو حمل هذا التصريح تلميحاً لموقف السودان الهجومي علي مصر في الفترة الأخيرة يبقي التأكيد علي الجوانب التالية :

- لن يؤثر التصعيد السوداني تجاه قضية حلايب علي الموقف القانوني للمنطقة وكونها أراض مصرية يقطنها مواطنون مصريون تحت السيادة المصرية وفقا لوثائق تاريخية.

- الرؤية المصرية تقوم علي التعاون المشترك دون التدخل في شئون الأخرين ولخصها الرئيس عبد الفتاح السيسي أكثر من مرة في قوله " نتعامل بشرف في زمن عزَ فيه الشرف ".

- طوال العقود الأخيرة مرت العلاقات السودانية المصرية بمراحل كثيرة ومنها مراحل فتور وجمود ، لكنها لم تؤثر علي علاقة شعبي وادي النيل بحكم أواصر الصلة التاريخية التي تجمعهما .